نسائم الحنين ….بقلم: سيد جعيتم – جمهورية مصر العربية


نسائم الحنين ….بقلم: سيد جعيتم – جمهورية مصر العربية

أفرّ من جفاف الحاضر وضوء الواقع إلى ملجأ داخلي، أجلس على عتبة الزمن وأتمدد على شاطئ ذكريات طفولتي وصباي. أعود لأستظل بوجوه تعلوها السماحة، بضحكات الرفاق، وبالركض خلف كرة نصنعها من الإسفنج ونكسوها بجورب قديم. أذهب إلى أول حضن، وأول ضحكة، وأول نظرة حلوة من الجوهرة المصانة بنت الحتة. إلى وجع يدي من ضربات عصا مدرس العربي، إلى مظاهرات تأييد لثورة الجزائر، إلى ابن الحارة وأول خناقة، إلى باب بيتنا الخشبي ومشربيات نوافذه، والتصاقه ببيوت الحارة في عناق، فهي مثل سكانها متآزرين، ملتصقين ببعضهم في الأفراح والأتراح. فأبواب البيوت لا تُغلق لأنها مصانة ولها حرمتها. يأخذني الشوق إلى رائحة قهوة أمي، وإلى صوت أبي يناجي ربه فوق سجادة الصلاة.
ذكريات مستقرة، لم تغادرني قط. فيظل نبض أرض الحارة بفتواتها وحرافيشها حيًا، يختلط بصوت المآذن وتهليل أصحاب الطرق في الموالد. نعم، أنا مرتبط بالحارة وحكايات جدرانها، وصبر أهلها وهم يخبئون دموعهم في الزوايا وخلايا الليل.
لا يغيب عن بالي طبق البصارة والأرز باللبن، يدور بين السكان ولا يعود لصاحبه فارغًا.
بابا شارو وألف ليلة وليلة من الراديو، فهو وسيلة التسلية الوحيدة. صنعت له أمي كيسًا من القماش لحفظه من الأتربة، وكنا نضعه لكبر حجمه فوق رف يتسع له.
نعم، أعترف: الحنين إلى الماضي فهو ملاذي، لا أنتظر الإذن للولوج إليه. أفتح نوافذه فتهب نسائم خالية من الهموم، تحمل ذكريات حية تسير على قدمين راسختين.
في الحارة أعراف وقوانين عادلة، يضعها الكبار ويلتزم بها الجميع. وكانت كل المشكلات تُحل في مجالس الرجال، ومن النادر جدًا الذهاب إلى “التمن” (قسم الشرطة).
كنت مدللًا، فقد رزقت بي أمي بعد إنجاب بنتين ماتت إحداهما. ولأن القرد في عين أمه غزال، فقد خشيت أمي عليّ من الحسد، فخرمت أذني اليمنى وألبستني فردة حلق (قرط)، وحرصت على أن أرتدي مريلة سوداء، وفي مقدمة رأسي تتدلى خمسة وخميسة وقطعة فضية مكتوب عليها آية الكرسي (ما شاء الله)، لصقتهما بفاسوخة.
في حوش بيتنا مجور عجين كبير الحجم، يعجن فيه كل سكان البيت خبزهم. وبعد ذهاب الرجال لأعمالهم والأولاد إلى مدارسهم، تتشارك سيدات البيت في تقريص العجين وتبطيطه. ويأتي رجل من الفرن ليأخذ الطاولات ثم يعود بها بعد خبزها. طعم العيش رائع، خاصة لو أُضيف له الشمر والينسون.
رغيف العيش من الفرن بتعريفة (خمسة مليمات)، وله مواصفات (مفقع أو طري أو محمص)، ويجب أن تكون مواصفاته جيدة (كامل الاستدارة، لا يلتصق قلبه بوجهه). وإذا خالف الصفات، يُباع تحت اسم “رغيف سحلة”، كل أربعة أرغفة سحلة تُباع بقرش صاغ.
في الصف الأول والثاني الابتدائي، كان الزي المدرسي مريلة من قماش “تيل نادية” لونه بيج. واعتبارًا من الصف الرابع وحتى السادس، كان الزي بنطلون شورت بني وقميص من نفس القماش، وفي الشتاء كنا نستبدل الشورت ببنطلون طويل وفوق القميص “بلفور” بني. ولصق الجلاد فوق الكتب والكراريس يتم بالنشا المذابة في الماء المسخن على النار.
في طابور الصباح يتم التفتيش على أظافرنا ونظافتنا، وتأتي الحكيمة فتمر علينا، ونفتح أفواهنا لترى أسناننا، وتحول من يحتاج إلى علاج للوحدة العلاجية.
في منتصف اليوم الدراسي، تُوزع علينا وجبة طعام مكونة من فول مدمس وجبنة بيضاء أو شيدر وفاكهة. لذا كان كل منا يحمل معه طبقًا وكوبًا بلاستيكيًا. وتُوزع علينا وجبة أسبوعية من اللبن الجاف، كنت لا أحب طعمه، ولكننا كنا نشربه وإلا تعرضنا للعقاب.
الصور المستعجلة كانت عند مصوراتي شمس (مصور ماء)، يقف بكاميرته خلف قسم الوايلي، وبعد عشر دقائق تصبح الصور جاهزة.
بائع نبوت الغفير (حلوى على هيئة عود مفرغ بطول خمسة عشر سم ومكسوة بالسمسم)، يمر عصرًا ويصنع على العربة غزل البنات بماكينة يدوية. ننتظره ونساعده في زق العربة. وبائع النداغة (عسلية) يصنعها أمامنا، وقرش صاغ يكفي لشراء كمية كبيرة.
عشرون كحكة صغيرة ملتصقة تُباع بقرش أبيض. عم لبيب بائع الثلج وعصير القصب، يضع النشوق في أنفه ثم يعطس. يبيع ربع لوح الثلج بقرشين، وكوب العصير الكبير بتعريفة. بائع البيض يضع لمبة في صندوق صغير مغلق وبه فتحة يخرج منها الضوء، يعرض البيضة قبل بيعها للنور الصادر من الصندوق، فيعرف البيضة التالفة أو التي بها كتكوت فيستبعدها.
سعدية الدلالة تمر على البيوت، تبيع أقمشة وجلابيب وطرحًا كاش أو بالقسط، ولا مانع من توفيقها رأسين في الحلال (خاطبة).
والحاجة أم جابر تقرأ الفنجان، وفنجانها لا يكذب. وبائع السمك يحمل السمك الطازج والكابوريا والجمبري في مشنة فوق رأسه. وعم إبراهيم بائع الخضار يصيح: فجل وجرجير وكرات، ثم يعقبه بندا: فجل الجزاير يا فجل، الواراور.
السيدات كن بدينات، وكان هذا من مواصفات الجمال. يرتدين عند الخروج الملابس السوداء: عباية، وعلى الوجه بيشة من القماش الأبيض الشفاف، أو الملاية اللف والبرقع، أو البيشة على الوجه وعلى الرأس منديل “بؤيه” (قوية). والقوية عبارة عن مجموعة من الخيوط على شكل كرة، أطرافها غير متصلة، ويُثبت بها بعض الترتر والخرز الملون بألوان زاهية. وتحرص السيدات على أن تكون ملابس البيت فاقعة اللون، وقمصان النوم من قماش الستان اللامع.
أما الرجال، فلباسهم الجلابية المصرية، وعليها بالطو في الشتاء. والأفندية يرتدون القميص والبنطلون. وجلباب البيت الرجالي واسع مريح، ويُصنع من قماش الكستور المخطط، وطاقية من نفس القماش.
آخر الليل، بائع الجاز بتكليف من الحكومة، يحمل جركنًا صغيرًا وسلّمًا على كتفه، يقوم بتعمير لمبة الجاز الموضوعة داخل صندوق زجاجي على عمود مثبت بالجدار، بالجاز وإشعالها.
للأفراح طقوس، وللمآتم طقوس، والكل يؤدي واجبه.
ولسمكري البواجير، والعجلاتي والقرداتي، والحاوي، ومكوجي الرجل، وعلافةالبهايم، وصندوق الدنيا والبيانولا ، والحمام البلدي، والداية، والمعددة ومهن انقرضت مكان في الذاكرة.
ورغم الضغوط الاقتصادية، كان الجميع راضين بالمقدّر والمقسوم.
