موسيقا الشعر عند فوزية شاهين….تطبيق على قصيدة (أنا وأنتَ أغنيتان) من ديوان “لقاء في المجاز البراح” – رؤية نقدية بقلم عبد الله جمعة


أشعلتُ حربين بين الكأس والحضرهْ
وصمتُ دهرينِ عن حُبٍّ بلا عَبْرَهْ
هزَّ الكلامَ على سطرٍ أمرُّ به
فاسَّاقَطَتْ في فمي من شهقةٍ تَمْرَهْ
قلبٌ شهيٌّ يُخَبِّي في المدى خبرًا
ولم يفضَّ على الأوراق لي سِرَّهْ
أنا كملهمةٍ للكون منه وكم
على يدي وُلِدَتْ في هدأةٍ فكرَهْ
لا الكأسُ أُرْوَى به من حَرِّ فِتنته
ولا التعاويذُ ألغت في دمي سحرَهْ
ألقي السلامَ من الشُّبَّاكِ في وَلَهٍ
فقامَ صمتي برفقٍ يقتفي أمرَهْ
قال السلام على أنثى أراودها
في الليل حتى أراها في الرؤى مُهرَهْ
متى تقولين لي إني أحبك أو
تبادلين حبيبًا في الهوى مرَّهْ
أنا المتيم في أنثى ينادمها
حرفي ومن حسنها قد أُشعِلَتْ ثورهْ
أنا الأمير وفوق (المُشترى) سكني
وأنتِ يا حلوتي في خاتمي دُرَّهْ
عشقتُ حوريةً دقَّ الغرام لها
مليون بابٍ ولم تفتح له ثغرَهْ
قيسُ استحال جوىً من جمر ليلته
يرنو إليكِ… متى تهدينه نظرهْ
فقلت ألقِ عصاك الآن قد وصلتْ
مراكبُ الشوق حتى منتهى السِّدرَهْ
قلبي عصيٌّ على من جاء يأسره
وفي هواكَ أحبَّ المبتلى أسرَهْ

(ليس كل وزان شاعر) قضية منطقية منفية قصدت أن أبدأ بها حديثي هذا عن الأداء الموسيقي، فموسيقا الشعر ليست مجرد تفعيلات وسواكن ومتحركات وزحافات وعلل وبحور شعرية تنتخب لتتحول إلى نظام قالبي نَصُبُّ فيه كلماتنا صبًّا وكأننا نحشرها قسرًا وقهرًا حتى تستقيم على الوزن فنكون قد أنجزنا منتوجًا شعريًّا.
لم تخلق موسيقا الشعر لهذا ولم يكن الخليل بن أحمد يهدف إلى أن يحفظها الشعراء كقوالب جافة تختار بصورة عشوائية نحشوها بالكلام فنقول إنه شعر، بالقطع لا فليس هذا هو الوزن أو موسيقا الشعر.
إن أكثر ما يسيئني أن يأتيني شاعر سائلاً: هل هذا الشعر فيه كسور عروضية؟ حقيقة أقف موقف العاجز؛ فإنني إن رددتُ بما أعرف عن حقيقة الموسيقا الشعرية أجدني سوف أصيب هذا السائل ربما بجرح في كبريائه. فمتى كان معيار نجاح الشعر خلوه من الكسور العروضية؟ بل أجدني في غاية الاستياء حين أجد كبار الشعراء والمسؤولين في قصور الثقافة يعلنون عن افتتاح مدرسة لتعليم (العروض والقافية) ويضعون ذلك في إعلانهم! ما هذا الهراء؟ إننا حين نفتتح مدرسة فإنما هي مدرسة لتعليم (فنون الشعر) لا العروض والقافية فقط، فالعروض والقافية ليسا قوالب تُلَقَّن بل هي فنون تدرك وتحس، وتمارس وتعاش فتتحول إلى جزء أصيل من نسيج الشاعر الوجداني والتي يمارسها بنوع من (التآزر النَّفْسِفِكْرِيِّ) تمامًا مثل التلحين الموسيقي؛ فإننا إن جئنا بإنسان ودرسنا له أصول كتابة النوتة الموسيقية حتى حفظها تمامًا ثم أتيننا له بآلة العود الوترية وقلنا له قم بالتلحين والعزف، فإنه قد يأتي بنغمات منتظمة لا سقوط فيها ولا زلل ولكنه بالضرورة لن يأتي لنا بموسيقا ذات أخذٍ تأخذنا إلى عالم من الانسجام.
إن أساتذة تعليم علمي العروض والقافية كُثْرُ وعلى رأسهم أكاديميون نالوا أعلى الدرجات العلمية في هذين الفنين كأحد أفرع الاختصاص ويعرفون كل شاردة وواردة في وعن هذين الفنين ولكن أحدًا منهم لا يستطيع أن ينتج قصيدة شعرية ذات تأثير في نفوس الناس ما لم يكن بفطرته شاعرًا وأمامنا محاولات كثيرة وعديدة لمنتجات لأكثرهم حاولوا دَسَّها على الشعر إلا أن الجهور لفظها ولم ينفعل لها برغم استقامة أوزانها ووقوع ألفاظها على نغمات الشعر العربي الأصيل والتي لا لبس فيها ولا التباس ولكنها ليست شعرًا فلا روح فيها ولا نبض حيث باتت كالتمثال الميت مجرد جسد لا ينبض يقف ثابتًا لا حراك فيه.
إن الشاعر الحقيقي حين يتعامل مع الممرات الموسيقية فهو من خلال الممارسة والدُّرْبَة تتحول هذه الممرات إلى جزء من نسيجه الوجداني يتعامل معها بنوع من الآلية والعفوية التلقائية التي لا تحتمل الخطأ أو الزلل أو الكسر العروضي وهذه المرحلة من المهارة الموسيقية هي التي تدفع بعض الشعراء ممن تفردوا في الفن الشعري إلى ارتجال الشعر حيث يقف الشاعر في موقف شعري ودون إعداد مسبق فيرتجل الشعر منضبطًا ميزانه لا لشيء سوى أن هذا الميزان أصبح ركنًا ركينًا من وجدانه وتفكيره.
رحم الله أساتيذنا فقد كان الراحل الكبير عبد المنعم الأنصاري يقول لنا ونحن فتية نتعلم في بدء الطريق إلى الشعر: انقر برأس أصبعك السَّبَّابة على رأس أصبعك الإبهام كلما سمعت كلامًا عربيًّا حتى وإن كان نثرًا لتقف على متحركاته وسواكنه… فكنتُ وأنا صغير أستمع لخطبة الجمعة والخطيب يقولها نثرًا أفعل ما دعاني إليه أستاذي فأنقر مع المتحركات والسواكن التي تشتملها كلمات الخطبة برأس السبابة على رأس الإبهام لدرجة أنني كنت أشعر بمنتهى السعادة حين أعثر على جملة عفوية في الخطبة تنتظم على إحدى تفعيلات الشعر العربي وكنت أفعل ذلك كلما استعمت إلى القرآن الكريم حيث أعثر أحيانًا على جمل قرآنية تنتظم على تفعيلات بحور الشعر فأشعر بسعادة غامرة، وذات يوم وكنتُ وقتها تلميذًا في الصف الأول الثانوي سمعت الشيخ الطبلاوي يقرأ من سورة الحجرات: “يَاْ أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْاْ اجْتَنِبُوْاْ كَثِيْرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” فوقع في ذهني أثناء النقر “إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” على ميزان مجزوء الرَّمَل [فاعلاتن ، فاعلاتن] فطرتُ إلى أستاذي أعلن له عن اكتشافي العظيم وقلت: له أليس هذا مجزوء الرمل؟ فابتسم ابتسامة الرضا وقال لي: رائع يا ولدي! صحيح ما وجدتَ، فكدتُ أطير من على الأرض طربًا وتيهًا.
هكذا يكون تعلم عروض الشعر وقوافيه ومع مرور الوقت يتحول هذا النقر جزءًا من وجدان الإنسان ثم نغمات تتماهى مع الحالة الوجدانية فيعرف الإنسان -الشاعر- أن تلك النغمات ليست قوالب وإنما هي موسيقا تصويرية تتوازى مع الحالة الوجدانية ويعرف أيضًا أن الزحافات والعلل ليست مهارب تساعد الشاعر في الهروب من تضييق الوزن أو تساعده في العثور على بدائل لفظية لغير تلك التي لا تستقيم على الوزن فهذا – لعمري- ليس من موسيقا الشعر في شيء، وإن الذين يقولون ذلك لتلامذتهم إنما يجنون عليهم وعلى الشعر وإنما تلك الزحافات والعلل إنما هي تصريفات إيقاعية تساعد على تلوين الموسيقا الشعرية وتحويلها لتتماهى مع الموجة الدرامية الوجدانية التي يعبر الشاعر عنها تمامًا كالملحن الذي يقبض على العود – تلك الآلة الوترية- وبيده اليمنى ريشة يضرب بها على الأوتار ويده اليسرى على رقبة العود يقبض (يَعْفِق) [مصطلح موسيقي] بأصابعه على رؤوس الأوتار يشدها ويرخيها فيغلظ الصوت أو يرققه وأحيانًا يسرعه أو يبطئه وهكذا موازاةً مع الحركة الدرامية للمعنى في الأغنية، كذلك يفعل الشاعر وتلك الزحافات والعلل هي بمثابة (العَفْقَات) على وتر العود فالشاعر يرخي ويشد ويغلظ ويرقق ويسرع ويبطئ بحسب الموجة الدرامية للمعنى فتتحول التفعيلات إلى موسيقا تصويرية مصاحبة للحدث الشعري.
وهذا الأمر يأتي عفويًّا مع الدُّرْبَة والممارسة فيأتي من لاوعي الشاعر كنسق فني مضمر في اللاشعور يعمل دون استدعاء أو عمد وقد عبرتُ عن هذا في غير موطن من مواطن التحليل الموسيقي.
وسأضرب مثلاً لهذا تطبيقًا على بعض أبيات قصيدة “نهج البردة” لأحمد شوقي وقد سقت هذا المثال في كتابي “مكامن الإبداع” ج1 ص 124:
ريمٌ على القاع بين البَانِ والعَلَمِ
أحلَّ سَفْكَ دَمِي في الأشهر الحُرُمِ
رَمَى القضاءُ بعينَي جُؤذرٍ أسدًا
يا ساكنَ القاع أدركْ ساكنَ الأَجَمِ
لما رنا حدثتني النفسُ قائلةً
يا ويحَ جنبكَ بالسَّهْمِ المُصِيبِ رُمِي
نعرف جميعًا أن القصيدة صيغت على البسيط التام من بحور الشعر العربي وسوف أقف وقفة أستعرض فيها ذلك البحر بتفعيلاته وأثرها في التنغيم:
البحر البسيط له ثلاث أعاريض؛ التامة والمجزوءة والمخلعة.. وأما العروض التامة التي أتت عليها القصيدة فإيقاعها تصير فيه فَاعِلُنْ إلى فَعِلُنْ ولها ضربان:
(الأول) تام مخبون مثلها تصير فيه (فاعلن) إلى (فَعِلُنْ) وهو ما جاءت عليه قصيدة “نهج البردة” فتكون تفعيلات هذه الصورة:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فَعِلُن
في كل شطر
(الثاني) مقطوع تصير فيه (فاعلن) إلى (فَاعِلْ) وهو ما جاءت عليه قصيدة (فوزية شاهين) محل التحليل هنا. فتكون تفعيلات هذه الصورة من البسيط:
[مستفعلن فاعلن مستفعلن (فاعلْ)] في الشطر الثاني دائمًا لأن عروض البيت تظل مخبونة في كل حالات البحر التامة إلا في التصريع والذي يتغير هو الضرب.
وأما مستفعلن الأولى في الحشو فيداخلها ثلاثة زحافات اختص البحر البسيط بواحدة منها وهذا الزحافات هي (الخَبْن- الطَّيّ- الخَبْل) ولا يصيبها في البسيط إلا الخبن فقط.
وأما فاعلن الثانية فلا يداخلها إلا الخبن فقط فتصير فاعلن إلى فَعِلُنْ
وأما مستفعلن الثالثة فلم ترد في البسيط إلا تامة – بحسب ما نعلم- إلا عند الأعشى في قوله:

عَلَّقْتُها عَرَضًا (وعَلَّقَتْ) رَجُلاً
غيري وعَلَّقَ أخرى غيرَها الرجل

ولكن جرى العرف ألا تأتي إلا صحيحة.
نعود إلى (مستفعلن) و (فاعلن) التي قام عليهما البحر البسيط سنجد أن كل تفعيلة قائمة على المقاطع العروضية التالية:

  • [مستفعلن] مكونة من سببين خفيفين ووتد مجموع هكذا [ /0 – /0 – //0] فإن تصورنا أن الحرف الساكن إنما يماثل الهدوء والموجة الدرامية الهادئة التي لا انفعال فيها ولا توتر فيكون توالي سببين خفيفين بمحترك فساكن ثم متحرك فساكن إنما يماثل إيقاعًا ناعمًا لا مفاجآت درامية فيه ثم إتباعهما بمتحركين فساكن (الوتد المجموع) فإنه يماثل تسارع الحركة تمامًا كموجة البحر التي تبدأ صغيرة هادئة تزحف في بطءٍ حتى تتجمع وتعلو فتصبح قابلة للانقلاب فتنقلب فجأة بسرعة.
  • [فاعلن] مكونة من سبب خفيف فوتد مجموع هكذا (/0 – //0) فهي مصاحبة لحركة هدوء قصيرة ثم انقلاب سريع من خلال توالي السبب الخفيف فالوتد المجموع كتوابع الموجة.
    فإذا أدخلنا (الخبن) على كلا التفعيلتين أو إحداهما بحذف الثاني الساكن فكأننا أردنا أن نُسَرِّعَ التموجات الصوتية داخل التفعيلة فتتحول (مستفعلن /0 /0 //0) إلى (متفعلن //0 //0) بوتدين مجموعين متتاليين. هنا تنقلب الموجة الموسيقية من هادئة إلى سريعة لتوازي موجة درامية في الحدث الشعري المُمَرَّر في التفعيلة فيحدث الاضطراب النغمي المصاحب للاضطراب المعنوي فتتوازى الموسيقا مع دراما المعنى. وإلَّم يحدث ذلك يقع ما أسميتُه في كتابي المذكور (التَّفَسُّخ النصي) فقد تفسخت الموسيقى عن دراما الحالة ولم تتماشَ معها تمامًا كأننا نستمع إلى أغنية حزينة ومعها لحن إيقاعه سريع أو العكس فصيبنا -كمستمعين- نفور وعدم معايشة.
    لقد سقط في هذه السقطة الشنيعة (خليل مطران) شاعر الرومنسية العربية الأشهر في قصيدته (المساء) والتي يقول في مطلعها:
    إني أقمتُ على التَّعِلَّةِ بالمُنَى
    في غُربة قالوا: تكون دوائي
    إن يشفِ هذا الجسمَ طيبُ هوائها
    أيلطف النيرانَ طيبُ هواء
    عبثٌ طوافي في البلاد وعلة
    في علة منفاي لاستشفائي
    متفردٌ بصبابتي متفردٌ
    بكآبتي متفردٌ بعنائي
    لقد بنى قصيدته على البحر الكامل والذي تفعيلاته (مُتَفَاعِلُن) متكررة ثلاث مرات في كل شطر وهذه التفعيلة مكونة من مقطعين عبارة عن (فاصلة صغرى ///0) فوتد مجموع (//0) وهي تفعيلة كما نرى غاية في السرعة الإيقاعية من خلال متحركاتها المتتالية الكثيرة والدراما الوجدانية التي يحملها المعنى تستدعى البطء ومن ثم فقد كان لزامًا عليه أن يدخل الإضمار على هذه التفعيلة ليهدئ من سرعتها حيث يداخل هذه التفعيلة كل من (الإضمار) بتسكين الثاني المتحرك أو (الوقص) بحذف الثاني المتحرك فتخف وطأة السرعة في التفعيلة لتتوازى مع دراما المعنى ولكن الشاعر لم يراعِ هذا فوقع في التفسخ النصي كما عبرتُ سالفًا.
    ولكن شوقي -الأمير- لم يقع في هذا وهو ساحر الموسيقا الذي يتوازى مع البحتري يقول:

ريمٌ على القاع بين البانِ والعَلَمِ
أحلَّ سفكَ دمي في الأشهر الحُرُمِ

معجم:
القاع: الأرض المنبسطة
البان: نوع من الشجر
العَلَم: الجبل
يقول شوقي في الشطر الأول متغزلاً: إن ظبيًا يتحرك على الأرض ما بين الجبل وسفحه عند شجر البان وهذا الظبي قد استحلَّ سفك دمه في الأشهر الحرم مجازًا بما استباحه بنظراته التي تشبه السهام التي أصابت مهجته.
لنتخيل الظبي وهو واقف مطمئنًّا ويتحرك في دلٍّ وهدوء ثم يصف الأرض التي يقف عليها وقد اعتلاها هذا الظبي بقائميه.. سنجد أن الحراك الدرامي إنما يحتاج إلى هدوء موسيقي ليتناسب مع الحركة البطيئة ذات الوداعة من خلال مشهد الظبي ثم اعتلاء الظبي بقائميه على الأرض وما يصحبه من حراك بطيء جدًّا ثم مشهدية القاع وما به من انبساط وامتداد يوحي بالسكينة ثم الحركة البينيَّة ثم أخيرًا العَلَم أي الجبل وما يصاحبه من شهوق وارتفاع سنجد الشاعر أرخى تفعيلاته وأتى بها تامة دون أن يدخل عليها زحاف الخبن وتعمد أن يرسلها بطيئة حتى جاء مشهد (العَلَم) الذي احتاج إلى سرعة في الانتقال لمناسبة الشهوق والارتفاع فخبن (فاعلن) الأخيرة وجعلها (فَعِلُنْ ///0) .
وفي الشطر الثاني: لحظة إلقاء النظر من قبل الظبي على الشاعر وهي التي استحل فيها سفك دمه وحاجتها إلى السرعة منذ لحظة انفلات السهم -النظرة- إلى إصابة الهدف -مهجته- فهي لحظة تمر سريعًا ولحظة اندفاع الدم حينما يرشق السهم محدثًا جرحًا بسرعة ثم لحظة تخيل (الأشهر الحرم) وما تمثله من وداعة وسكينة وسلام وبعد عن الاقتتال ثم الصراخ المصاحب للإصابة المفاجئة فنجد الشاعر قد شدَّ على وتر الخَبْنِ في التفعيلتين الأولى والثانية مع هدوء الثالثة الموازية للأشهر ثم العودة إلى الخبن في قوله الحرم وكأنه يصرخ ويستغيث مما أصابه.
وإنني هنا سوف أعيد كتابة البيت وأضع تحت كل شطر تقطيعه العروضي حتى يتسنى للقارئ أن يوازي بين الموسيقا والمعنى ليحقق بنفسه تلك المقدرة الموسيقية عند شوقي:
ريم على القاع بين البان والعلم
/0/0 //0 – /0//0- /0/0//0 – ///0
أحلَّ سفك دمي في الأشهر الحرم
//0//0 – ///0 – /0/0//0 – ///0
فلنوازِ بين كل تفعيلة في الشطر الثاني وأختها في الشطر الأول ونلاحظ الفرق بين المتحركات والسواكن لنعرف متى تم تسريع التفعيلة ومتى تم إرسالها تامةً على بطئها ونقارن بين الحركة التفعيلية والمعنى الموازي لها.
كأننا نجلس أمام شاشة عرض سينمائي نتابع الحركة في المشهد من بطء إلى سرعة والموسيقا التصويرية تأخذنا مع كل لفتة مشهدية تعرض أمامنا.
ثم يقول في البيت الثاني:
رمى القضاءُ بعينَيْ جُؤذرٍ أَسَدًا
يا ساكنَ القاعِ أدركْ ساكنَ الأَجَمِ
معجم:
الجؤذر: ولد البقرة الوحشية ويقصد الظبي الصغير
الأجم: مسكن الأسد في الأدغال
الشاعر في هذا البيت في حال من الإحساس بين ألم سقوط السهم في مهجته وبين حال العجب أن يصطاد ظبيٌ صغيرٌ أسدًا فيقول: إن القضاء كأنه رامٍ أمسك بسهام عيني هذا الظبي وأطلق سهمهما عليه فأصابه سريعًا ثم ينتقل في مشهد سينمائي وكأنه يعرض بالتصوير البطيء لأسد مصاب ينادي في أنين على الظبي أن يرحمه ويدركه من تلك النظرات الصائبة.
(رمىٰ القضاء) لحظة انطلاق السهم من القوس لإصابة الهدف حدث سريع فخبن الشاعر مستفعلن فأصبحت متفعلن //0//0 لتواكب الموسيقا السرعة الدرامية للحدث.
(بعيني) لحظة حركة عيني الظبي متجها إلى الشاعر لتصويب نظراته حركة سريعة جدا فخبن فاعلن كذلك لتصبح فَعِلُنْ ///0
(الجؤذر) ضعيف هزيل قياسًا بالأسد فتصويره دراميًّا يحتاج لبطء في الحركة للتركيز على حجمه الصغير فوازاها بـ مستفعلن /0/0//0 ثم مشهد الأسد الهائج بعد إصابته وحاجته إلى حركة درامية سريعة فوازاهُ بـ فَعِلُنْ ///0
وهكذا حين نوازي بين حركة الإيقاع التفعيلي وبين الحركة الدرامية للمعنى نجد موازاة في منتهى الدقة لتواكب موسيقى الشعر إيقاع الحدث الشعري ويستمر ذلك التوازي طوال القصيدة فلم يكد يفلت الإيقاع الموسيقى من الحركة المشهدية.
هنا تتحقق مقولتي: ليس كلُّ وزَّانٍ بشاعر؛ فليس الشعر أن يَصُفَّ الشاعرُ الكلمات يحشو بها الوزن التفعيلي؛ فإن ذلك -لعمري- هو الذي دفع إلى رغبة أجيال متتالية من الشعراء لمحاولات التخلص من البحور الشعرية تحت زعم أنها جامدة تعيق الانطلاق الإبداعي لا لشيء سوى أن الشعراء الذين استعملوها قد جمدوا المعاني وجعلوها أسيرة الوزن الميت دون مراعاة لهذا التوازي بين الموسيقا والمعنى فأصبحوا قدوة شؤم وشقاء للشعراء الجدد.
وحين نعود إلى قصيدة (فوزية شاهين) نجد أنها قد بلغت ذلك المبلغ من المقدرة على تحقيق التوازي بين الإيقاع التفعيلي والحركة الدرامية للمشهد الشعري ببراعة وإتقان فلا تكاد تنظر في بيت من أبياتها وتحلل معناه الدرامي ثم توازي بينه وبين الإيقاع التفعيلي تجدها قد ناسبت موسيقاها المعاني التي احتوتها تلك الإيقاعات.
وهي استعملت الضرب الثاني من البحر البسيط التام الذي يأتي (مقطوعًا) على وزن (فاعلْ)
هي في بيتها الأول تقول:
أشعلتُ حربين بين الكأس والحضرهْ
وصمتُ دهرينِ عن حُبٍّ بلا عَبْرَهْ
(أشعلتُ): حركة التهيؤ للإشعال حركة بطيئة ووقت استغراق قيام الحرب بين الكأس والحضرة وقت ممتد لا يتحقق سريعًا فنجد تفعيلات البيت الأول تامة (مستفعلن فاعلن مستفعلن فَعْلُن) ورسمها العروضي
(/0/0//0 /0/00 /0/0//0 /0/0
أشعلتُ حَرْبَيْنِ بَيْنَ الْكَأْسِ وَالْحَضْرَةْ
ثم يأتي الشطر الثاني بشكوى تصرخ بأنها صامت عن الحب حتى تظفر بحب تفطر عليه فيعوضها عن صومها ثم طول الدهرين وما يحتاجه إلى بطء ومشهدية تمني الحب ثم حركة نزول الدموع بطيئة مصاحبة للحسرة والألم، فخبنت مستفعلن الأولى لتسريع الإيقاع ثم أتت ببقية التفعيلات تامة لتواكب بطء المشهدية ثم بطء الضرب المقطوع فَعْلُنْ /0/0
ويكون تقطيع هذا الشطر عروضيًّا:
//0//0 /0//0 /0/0//0 /0/0
وصمتُ دهرينِ عن حُبٍّ بلا عَبْرَهْ

ثم يأتي البيت الثاني:
هزَّ الكلامَ على سطرٍ أمرُّ به
فاسَّاقَطَتْ في فمي من شهقةٍ تَمْرَهْ
فذلك الحب المنتظر قد بدأ يحرك الكلام على السطر الشعري الذي تمر به وتعانيه فتشعر بطعم التمر يسقط في فمها فنجدها في الشطر الأول لهذا البيت:
هزَّ الكلامَ على سطرٍ أمرُّ به
/0/0//0 ///0 /0/0//0 ///0
نجدها قد خبنت تفعيلتين هما (فاعلن) الثانية والأخيرة؛ فبداية هز وتحريك الحب لنخلةِ قريحتها تحتاج إلى بطءٍ فأتت بـ مستفعلن تامة وتحريك النخلة بغرض إسقاط التمر إن كان بطيئًا فإن اهتزاز الأغصان التي تحمل التمر في الأعلى يكون سريعًا فما بين بطء الجزع وسرعة الغصن الذي يحمل التمر (مستفعلن فَعِلُنْ /0/0//0 ///0) وما بين امتداد السطر وبطء حركته ومرورها به بسرعة أتت بمستفعلن تامة ثم خبنت فاعلن التي هي عروض البيت (/0/0//0 ///0)
وفي الشطر الثاني:
فاسَّاقَطَتْ في فمي من شهقةٍ تَمْرَهْ
إن الجائع يستبطئ قدوم الطعام كذلك المحب يستبطئ مجيء الحب فإذا وقع الطعام في فم الجائع فإنه يستلذ به ببطء شديد ليستشعر حلاوة طعمه ثم شهقة الفرح بوصول الطعام إلى فمه هي كفرحتها بلذة تذوق الحب فتشهق راحة من بعد عناء؛ هي تتخيل حدوث هذا وتحاول أن تصف ذلك المشهد في حال حدوثه، ولأنها تنتظر ما لم يحدث نجد بطء المشهدية وكأن المشهد يدور في خيالها كضرب من أضرب التمني.
نجدها قد أتت بالتفعيلات تامة في هذا الشطر والضرب طبعا مقطوع متناسب مع بطء الحركة الدرامية في الشطر.

/0/0//0 /0/00 /0/0//0 /0/0
فاسَّاقَطَتْ في فمي من شهقةٍ تَمْرَهْ

إن هذا التوازي الموسيقي لا يقدر عليه أي شاعر فلابد من بلوغه حد التحكم في الموسيقا الشعرية والقبض على مفاتيحها وتطويعها لملاءمة الحركة الوجدانية أو الدرامية، فإذا كانت الموسيقا الشعرية أحد القوالب التعبيرية التي تحمل المعنى فمن اللازم الضروري على الشاعر أن يهتم بها ويعالجها معالجة تجعل منها موسيقا تصويرية تخدم المشهدية الشعرية لا مجرد إيقاع رتيب يضمن السلامة من الوقوع في الزلل العروضي.
بمتابعة قصيدة فوزية شاهين كلها بل وبامتداد شعرها نجدها على الأرجح الغالب تهتم بموسيقاها وتجعلها موازية للحالة الوجدانية خادمة للمشهدية الشعرية.
وللمرة العشرين سيقفز لي أحد القافزين ويقول: وهل هي كانت متعمدة لهذا في الموسيقا؟ وتركت التجربة حتى توازي بين الموسيقى والمعنى؟
أعود وأقول حتى يثبت الأمر في ذهن كل سائل: الشاعر لا يوقف تجربته من أجل ضبط الموسيقا أو حتى ضبط اللفظ اللهم إلا في مرحلة التنقيح بعد الانتهاء من صياغة القصيدة تمامًا ولكن الأساس أنه قد روض قريحته ودربها على استقامة الميزان ومطاوعته للمعنى فإذا حضرت التجربة تكون نفسه مهيأة تستدعي أدواتها التعبيرية تلقائيًّا عفويًّا دون جهد أو معاناة ودون تعطيل للحظة الإبداعية، وهي تلك التي أسميتها في كتابي (مكامن الإبداع): “التآزر النفسفكري”.
عبد الله جمعة
الأربعاء 18 يونية 2025 السابعة والنصف صباحًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى