“مخلوق على مقاس الخراب”نص بقلم سمير إبراهيم زيّان

وُجدتُ ،
لا لأنني طارئ ،
بل لأن العالم احتاجني .

أنا نتيجةُ تراكمٍ قديم ،
خليطُ غباءٍ ، عجزٍ ، وتواقيع محترمة .
صُنِعتُ كما تُصنع البدلات الرسمية:
على مقاس الخراب…. تمامًا .

أنا لا أفرّقُ
بين طفلٍ يلهو… وجمجمةٍ تحت التراب ،
بين شجرةٍ تورق…. وصاروخٍ يزهر ،
بين جلدٍ أبيض…. وآخرَ مصلوبٍ باللون .
كلُّ شيءٍ يُشبهُ كلَّ شيء .
وكلُّ شيءٍ…. مباح .

لا أرى في الإنسانِ أكثرَ من صدًى لنداءٍ قديم ،
ولا في الحجرِ أقلَّ من رغبةٍ بالاصطفاف .

الوطن؟
هنا….
وغدًا…. هناك ،
وبعد غدٍ…. في خرائطَ لا تتذكّرُ ملامحها .
الحدودُ عندي وهمٌ بصري ،
والمنافي…. منازلُ بديلة للذاكرة .

أضحكُ حينَ يُخبروني عن “الخير” ،
وأتثاءبُ حين يُحاضرون عن “الحق” .
فأنا ببساطة….
لم أعد أملكُ حاسةَ الفرق .
نسيتُ التمييزَ
كما ينسى الجسدُ معنى الألم
حين يُصاب بالشلل .

أنا لا أنحاز ،
لأن كلَّ الجهاتِ عندي في مهبٍّ واحد .
لا أحبّ ،
لأن الحبّ شعورٌ يستدعي الكائن….
وأنا مُجرّدُ تسرّب .

أنا لا أعيشُ الزمن ،
بل أُعيد ترتيبه كأوراقٍ باهتة .
اليوم عندي ،
هو الغدُ هناك ،
وما يحدث الآن….
قد حدث ، وقد لا يحدث ،
وقد لا يلزم أن يحدث أصلًا .

وأقولها صريحة:
لأنكم ضعفاء ، بُلهاء ،
لم تتعلموا من التاريخ ،
ولم تقرؤوه جيدًا ،
ولأنكم كذلك ،
كنتم أنتم سببَ استمراري .
أنتم من صنَعني
ليُبيدكم .
أنتم من نصّبني
بصكٍّ موثّق ،
وعهودٍ دائمةٍ لا تنقض .

أنا المرضُ الذي باركتموه بخشوع ،
والموتُ الذي صنعتْه أياديكم
في حُفر الكلام.

أنا جئتُ منكم ،
عليكم ،
وفيكم .

فمن أكون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى