قراءة في المجموعة القصصية ( صندوق ارابيسك ) للكاتبة نيرمين دميس ….بقلم الكاتبة إيمان حجازي

نحن بصدد قراءة مجموعة للقصص القصيرة بعنوان صندوق أرابيسك، ولذلك دعونا في البداية نعرف ماهية القصة القصيرة.
قالوا لنا أن القصة القصيرة هي لغة الحدث الوقتي،
الفعل الآني.
والقصة القصيرة تقوم على ثلاثة دعائم .
الدعامة الأولى .. هي مبدأ الوحدة
وحدة الشخوص
وحدة الزمان
وحدة المكان
ووحدة الحدث.
الدعامة الثانية.. هي التكثيف والقفز على الأحداث.
الدعامة الثالثة.. الابتعاد عن الكلاشيهات والختام التقريري.
وأهم ما يميز القصة القصيرة هو عدم اتباع الإطناب والتطويل وكذلك إحداث الختام المدهش الذي يكسر أفق التوقع لدى القارئ.
ومن جماليات القصة القصيرة أن يزداد فيها الوصف والمشهدية بشكل يحقق، فقط، الإمتاع للقارئ.

مجموعة صندوق أرابيسك مجموعة في القصص القصيرة
تتكون من 21 عنوان في ما يقرب من ٩٠ صفحة.

دعونا نتناول المجموعة وفقا لما تعلمناه

وأولى عتبات النص في هذه المجموعة هو العنوان صندوق أرابيسك …وهو يحيلنا إلى ذلك الصندوق الصدف يدوي الصنع الذي لم يخل منه بيت من بيوتنا، وتستخدمه النساء لتحفظ فيه بعض الذكريات وهذا العنوان يصدق على صورته التي تأتي بشكل صريح على غلاف المجموعة، هو صندوق مفتوح أي أنه يبوح بكافة اسراره ويظهر ما به من المقتنيات.

*الكاتبة تهتم بإظهار العوار وكشف الأخطاء التي تشين المجتمع وخاصة كيف أصبحنا نزن الناس بما لديهم من أموال ونعلي شأنهم بالمظاهر العامة.
وهذا ما جاء في سلوك موظفة التذاكر مع المرأة العجوز في قصة حفيدات سندريلا.

*التناص الفني في مجموعة صندوق أرابيسك تهتم الكاتبة بالتناص الفني بشكل تجعله موجود ومنتشر مثلا
عندنا عنوان قصة اسمه بداية ونهاية وهو يحيلنا إلى رائعة نجيب محفوظ بهذا الاسم والتي مثلت في سينما الأبيض والأسود.
وكذلك قصة رسائل البحر أيضا هي عنوان فيلم مثله آسر ياسين.
وعنوان وأعود وأعود لطاولتي هي تناص مع مقطع من أغنية ماجدة الرومي أغنية كلمات وكلنا نعرفها.
وسوف نجد أيضا قصة بعنوان تخاريف وهي تحيلنا إلى مسرحية للأستاذ محمد صبحي.

*التجديد في الفكر
إذا تناولنا هذه المجموعة نجد أن الكاتبة تجدد في شكل الكتابة ونمط الكتابة أيضا فالموضوعات التي طرحت في هذه المجموعة ليست بالجديدة ولكن الجديد هو طريقة حكيها وهو ما يدل على الإبداع بشكل أساسي.

*تكتب الكاتبة مستخدمة خاصية الدي جي فو
Dé jà vu
وهي خاصية أو فكرة أساسها وأصلها وترجمتها أيضا تعني اليقين بما رؤى، بمعنى أننا إذا دخلنا مكان ما وأحسسنا بارتياح فيه وهذا يحدث كثيرا فإننا نكاد نجزم بأنها ليست المرة الأولى لنا في هذا المكان ويخيل إلينا أن لنا ذكريات بين جنباته، وأننا نعرفه تمام المعرفة، وهذه هي خاصية الدي جي فو، وعكسها سوف نجد خاصية
Dé ne jà vu pas
أي إحساسنا بالغربة في هذا المكان أو أننا لا نعرفه.

واسمحوا لي أن أشيد بهذه القصة وأن أؤكد أن لي مدة كبيرة جدا لم أقرأ قصة تحصد دهشتي وإعجابي كهذه، فقد حوت القصة على الحبكة والتشويق والاسترسال.
طبعا عايزة أقول أن القصة تشير إلى أو تجيب عن عدة أسئلة

إلى أين ذهبت سندريلا؟
وما هو مصيرها بعد الزواج من الأمير إن كانت بالفعل تزوجته؟
وهل ما زالت تحتفظ بفردة الحذاء؟

هناك أسئلة أخرى لم تكن في الحسبان تم تفجيرها من خلال هذا النص المدهش مثلا هل هناك أي روابط بين سندريلا وذات الحذاء الأحمر أو الرداء الأحمر وسنو وايت؟
وهل القصص التي تناولت هؤلاء الفتيات هل هن متشابكات؟
هل سيطر عليهن الحب؟
هل اسعدهن أم أشقاهن؟
هل تزوجنا وعشنا حياة سعيدة؟
أم بعد الزواج ظهر البطل المغوار على غير حقيقته فأحال حياتهن إلى سوء!!!!؟

مما ظهر من هذه القصة أن السيدة التي جاءت لتشاهد المسرحية وهي ترنو إلى اللوحة المضيئة التي توحي بشيء من الأمل والتفاؤل!
لكن عندما دخلت لترى المسرحية، لترى العمل وجدت أن ما خارجه يشبه ما داخله. وأن الفتيات على المسرح يعانين من غياب وفقدان الأمير، وأن الدنيا فارغة.
وبدون تحقيق حلم العرس والفستان وليلة الحنة وما إليه، في النهاية تنصرف السيدة التي جاءت لتشاهد حفيداتها ماذا جرى لهن إلى حال سبيلها.
وعندما تذهب إلى البيت وتفتح الدولاب وتخرج فردة الحذاء، فنعرف أن السندريلا من البداية للنهاية،
في مشوارها الطويل،
لم تحقق واحد من أحلامها،
وأنها منكسرة.
بشكل يحقق الإدهاش والحسرة.

هذه القصة تعني أو تحكي لنا حكاية كل أم مع أولادها واهتمامها الشديد برغباتهم وكيف تعمل على أن تحقق لهم كل ما يحبون.
ودائما مثلما سئل أحدهم زمان من أحب الأولاد إليك فقال
الغائب حتى يعود
والصغير حتى يكبر
والمريض حتى يشفى
والضعيف حتى يشتد عوده
فهنا اكتشفنا أن هذه الأم وهي تعد المائدة العامرة بصنوف الأطعمة تصنع طبق الفول رغم أن لا أحد يمد اليد إليه، وكل يوم تقريبا مآله إلى القمامة، ولكنها هي كانت تعده لحاجة في نفس يعقوب، التي فسرتها لنا خاتمة القصة بأنها حلمت بابنها أحمد الذي كان يعشق طبق الفول وحلمت به يأكله في الجنة أو في غيبته ويقول لها سلمت يداك يا أم أحمد.

لما قالوا ده ولد اتشد ضهري وانسند وجابولي البيض مقشر وعليه سمن البلد ولما قالوا دي بنيه اتهدت الحيط عليا وجابوا لي البيض بقشره وعليه حفان ميه.
نفس الفكرة، ونفس المشكلة الأزلية.
خلفة الولاد.
وخلفة البنات.
وبرغم أن العلم أثبت منذ قرن من الزمان، مائة عام تقريبا أن نوع الجنين يرجع إلى الزوج إلا أننا في جنوب مصر، في الصعيد وبعض قرى الدلتا ما زلنا نحمل المرأة وزر انجاب البنات وهذه هي قصة حكاية سند.

هذه القصة مثلما قلنا تصدق على ما يحدث في بيوتنا جميعا وكلنا لدينا هذا الصندوق بأي شكل مختلف أو بنفس المواصفات ونحفظ بداخله بعض الذكريات التي تعبر عن حياتنا وتناميها بشكل يومي والتي نغفل عنها مع مرور الأيام إلى أن يحدث أننا سوف ننتقل للعيش في مكان آخر أو أننا قررنا أن نجدد الموبيليا فيقع تحت أيدينا هذا الصندوق وعندما نفتحه، يعيدنا إلى ذكريات كنا نسيناها ولكنها تعيد إلينا مزيدا من البهجة والسعادة.

وكأن القصة ذاتها حكم عليها الاسم بأن تكون خازنة للقتامة.
فالأحداث فيها سوداوية مثلما كانت في أحداث الرواية الأصيلة والتي مثلت. وبرغم مصادقة أحداث العملين إلا أن المشهدية عالية جدا جدا وهذا ما نحيي عليه الكاتبة، فنحن هنا نطرح سؤالا مهما بما أننا نتكلم عن هذه القصة
لماذا يتم وأد الأشجار؟
أو انتزاعها من على وش الأرض؟
لماذا نخنق المجتمع؟
لماذا نقلص وجود الاكسجين في حياتنا؟ وكأننا نسعى جاهدين إلى حتفنا، وكتم أنفاسنا…
وكأننا نأخذ بأيدينا إلى هلاك موجه!!

وتعد هذه صيحة تعليها الكاتبة وتوجهها إلى كل من يهمه الأمر في هذا المجتمع بشكل مشكور جدا ومسئول.

أدهشتني جدا هذه القصة وأسعدتني وأمتعتني جدا.
وكان من السهل أن أذهب معها إلى فكرة بابا نويل وهدايا رأس السنة.

لكن طاب لي أن تخيلت الزائر هنا ملاك الليل الذي ينزل من السماء ليجمع حوائج العباد ويصعد بهم إلى رب العباد ليجيب كل منهم إلى مسألته.

وكذلك زائر الفجر الذي ينزل ليجمع حوائج الفجر ويصعد لرب العباد فيجيبها.

وهكذا ما بين زائر الصبح وزائر الليل تقضى حوائج العباد ويرضى ربهم عنهم.
أحيي الكاتبة على هذه القصة الروحانية البديعة.

الأصل في الموضوع إنتظار الغائب
هذا المنظر المتعدد الأماكن
وأيا كان موقعه
هل هو على شاطئ البحر
هل هو في محطة القطار أو في المترو أو في محطة الاتوبيس.
هل حتى هو المقعد في البلكونة المطلة على الميدان أو الشارع الرئيس؟

تعددت الأماكن والسبب واحد هو إنتظار الغائب.
دائما يكون هناك مُنتَظِر
ودائما يكون هناك مُنتَظَر.
وأمل يولد مع بداية كل يوم ويوأد في نهايته.
ونظل هكذا إلى أن يأتي الغائب في يوم ما إذا كان مقدرا له الرجوع.
وكل يوم نبعث له برسائل
إما مع الموج في البحر
أو مع الطير المسافر
أو مع نسايم الهواء
وأيضا تتعدد وسائل الرسائل حتى يأتي المسافر.

هذه القصة هي المعكوس الأسطوري لقصة أو أسطورة بجماليون.

فقصة بيجماليون كانت صلاة.
تقربا للآلهة حتى يتحول الحجر إلى آدمي أو إنساني وتدب فيه الروح.

أما قصتنا تلك فهي نتاج سخط وعدم رضا، فما حدث هو نتيجة سخرية من موضوع اللعنة واستبعاد حدوثها.
وعندما أصبحت حقيقة واقعة، أيضا لم يتم التعامل معها بالإحترام الواجب أو الكافي، وكان هناك الإيمان بأنها مسألة وقت
ولكن أثبتت اللعنة واقعيتها عندها لم يعد ينفع الإيمان بها أو محاولات الاستنجاد للبراء منها.

القصة تعد دعوة بصدر رحب للرضا بالمتاح ومحاولة الاستمتاع بما في اليد والشكر عليه طبعا.

طبعا أول ما نسمع صانع البهجة يأخذنا الموضوع إلى السيرك، والمهرج.

ولكن بعيدا عن عالم السيرك يوجد في الحياة من هم خليقون بإدخال السعادة والبهجة على قلوب البشر.
ويتعاملون مع بعضهم بهذه البساطة ورحابة الصدر والإشراق ويدخلون بمجرد رؤيتهم على نفوس البشر حالة من الرضا والطبطبة على القلوب.

وقد أفردت الكاتبة لهذا الوباء الفظيع أكثر من عنوان حيث تحدثت في
تخاريف عن هذا المتحور وكيف يصيب الانسان.
وتحدثت أيضا في الدي جي فو عن كيفية إصابته للبشر وأنه لم يعان منه الانسان فقط وإنما انتشر أثره السئ بين كافة المخلوقات وباتت الحيوانات والحشرات تشكو من أثاره وتبعاته في المجتمع.
أيضا في أوركا تحدثت عن المصل أو الترياق المضاد لهذا الكوفيد.

فقد وسعت الدائرة وتحدثت عن الطاعون
والانفلونزا الموسمية سواء الطيور أوالخنازير
فيروس سي
وشلل الأطفال
وكورونا
وتعجبت جدا من أنها ذكرت هؤلاء على أنهم السهام المميتة جدا في المجتمع وتجاهلت مثلا من هو أشد فتكا منهم
هو الإيدز
وكذلك السرطان Cancer
وهما الإثنان يعدان إلى وقتنا هذا من أبرز السهام الضارة التي تصيب وتقتل المجتمع المصري.

من دواعي الفخر والإبتهاج أن تأتي المجموعة خالية من الأخطاء اللغوية وهذا شئ نادر الحدوث وقطعا شيء يضاف إلى الكاتبة وكذلك إلى جهة النشر، نشد على الأيادي ونثني عليها.


قالوا قديما كفى بالمرء فخرا أن تعد مثالبه.
وبالطبع بعد كل هذه الايجادات وبعد كل هذا الفخر بهذه المجموعة والإعجاب بها اسمحوا لنا أن نقول بعض المثالب أو بعض الهنات التي وجدت في المجموعة، ولعل الكاتبة لا تغضب ويتسع لنا صدرها إلى هذه الالتفاتات البسيطة والمحبة أيضا لأنها إن تجنبناها خرجت المجموعة بشكل أكثر إبداعا وأكثر ألقا إن شاء الله.

فمثلا
*كما قلنا من قبل أن القصة القصيرة لا يستحب فيها استخدام الكلاشيهات ولكن هناك بعض الكلاشيهات، على سبيل المثال سياسة القطيع.

أيضا القصة القصيرة قلنا من أهم سماتها* الاختصار والتكثيف وهذا لم يتبع في المجموعة فقد ظهر في كثير من المواضع افتتان وشغف الكاتبة بالاطناب والتطويل والشرح.. على سبيل المثال نقول صفحة ٧٣مثلا
ماذا أضافت كلمة مملا إلى كلمة وئيدا في وصف الوقت، أعتقد واحدة منهما كانت كفاية.

أيضا ما جاء في قصة.. افتح قلبك* والتعليقات التقريرية المزيل بها كل حكاية!!!
هذه لا تليق بالقصة القصيرة وإنما مجالها المقال.

وهناك ملحوظة أعتقد أنها يجب أن* نلتفت إليها وهي مهمة بالنسبة لنا جميعا أن الكاتب لابد أن يكون
Up to date
في معلوماته، لابد أن يكون واقفا على كل القرارات والمستحدثات التي تطرح في الكون حوله.
فسوف نجد مثلا أن اليونسكو أصدرت قرارا في تسعينيات القرن الماضي بأن سن الشباب هو سن الستين، بينما نجد أن الكاتبة ذكرت في أكثر من موضع أن الثلاثين والأربعين بمراحل عمرية تعد كهولة أو تقدم في العمر.
وبهذا جاءت الأحداث في عملين أدبيين أحدهما حفيدات سيندريلا مرتبطتين بهذه الفرضية والتي كانت من الممكن أن تتغير لو غيرنا أساس المعلومة والمعطيات.

ولا أحب أن أطيل عن هذا، فلكل منا منظور يدخل منه، ولكل منا رؤية يمعن السرد فيها ولكل منا حديقة يعشق زهورها ولكل منا وترا يجيد العزف عليه.

وفي النهاية أشد على يد الكاتبة وأحييها وأتمنى لها المزيد من الألق وتجارب عديدة ممتعة للقارئ ولها فيما بعد شكرا جزيلا
إيمان حجازي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى