عندما يكون الإنسان سفينة …. رؤية بقلم: أ.د. أحمد نعمة


عندما يكون الإنسان سفينة …. رؤية بقلم: أ.د. أحمد نعمة

نقلا عن صحيفة النهار
في كل مرة أقرأ فيها مقالًا للكاتب والمفكر سمير إبراهيم زيّان، أشعر بأنني أمام تجربة فكرية وإنسانية فريدة، لا تسير على خطى المألوف، بل تغامر في مناطق الأسئلة الكبرى، وتفتح نوافذ الروح على المدى.
في مقاله الأخير “عندما يكون الإنسان سفينة”، يكتب زيّان بنَفَسٍ وجوديٍّ عميق، كأنه لا يصف إنسانًا بعينه، بل يصفنا جميعًا، في ترحالنا، في غرقنا، في نجاتنا المؤقتة، في بحثنا المضني عن شاطئ لا يغدر، وعن ميناء لا يخون.
اللغة عند زيّان ليست مجرد وسيلة تعبير، بل كائنٌ ينبض ويشتبك ويتألم، وهو لا يستخدم الصورة للتجميل بل للكشف، ولا يسرد ليحكي بل ليحفر. من خلال استعارة “السفينة”، يمرّر الكاتب تصوراته عن الإنسان الذي تُثقل روحه الأعباء، وتتنازعه التيارات، وتدميه العواصف، ومع ذلك، يُبحر.
الإنسان ـ كما يراه زيّان ـ ليس كائنًا ثابتًا، بل هو مخلوقٌ في حالة انتقال دائم، بين شطآن الأمل والخذلان، بين جزر الطمأنينة وأعاصير الفقد. وهو إذ يتحدث عن “السفينة”، لا ينسى أن يذكّرنا بأنّ ما يُبقي السفينة صامدة، ليس فقط صلابتها، بل قدرتها على الطفو، على التجاوز، على الانحناء دون الانكسار.
في هذا النص، تتجلى مقدرة زيّان على الإمساك بتفاصيل النفس، وعلى محاورة الذوات المنهكة بلغة فيها من الرقة بقدر ما فيها من الصلابة، وفيها من البوح بقدر ما فيها من الحذر النبيل.
ولأن زيّان ليس كاتبًا عابرًا، فإنه لا يترك قارئه عند سطح العبارة، بل يقوده ـ بلطف وقسوة معًا ـ إلى الداخل، إلى المكان الذي لا تُرى فيه الأشياء بل تُحَس، ولا تُفهم فيه المعاني إلا إذا جُرحت.
مقال “عندما يكون الإنسان سفينة” هو تأملٌ في الإنسان ـ لا بوصفه جسدًا ـ بل بوصفه كيانًا هشًّا وشجاعًا في آن. كيانًا يحمل فوق ظهره أشرعة من الذكريات، وفي أعماقه صناديق من الخسارات، لكنه لا يزال يُبحر، لا لأنه يثق في البحر، بل لأنه لم يعد يملك خيارًا غير الإبحار.
في زمن تتآكله الضوضاء، وتتشابه فيه الأقنعة، يصبح لكاتب مثل سمير زيّان معنى مضاعفًا، لأنه لا يكتب فقط، بل يشهد، ويذكّر، ويُعيد ترتيب البوصلة.

