” زمن الرويبضة.. حين يتكلم التافهون ويتراجع العقلاء” – مقال بقلم منى الشوربجي

قال رسول الله ﷺ:
“سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة.”
قالوا: وما الرويبضة؟
قال: “الرجل التافه يتكلم في أمر العامة.” (رواه ابن ماجه)

نحن نعيش اليوم مشهدًا كاملاً من هذا الحديث النبوي الشريف. لم يعد الأمر نبوءة غيبية، بل صار واقعًا نلمسه في تفاصيل الحياة، في الشوارع، وفي الإعلام، وعلى شاشات الهواتف، وفي المصالح خادمة المجتمع.

_الرويبضة في زمن المحتوى التافه
لم تعد الشهرة مرهونة بالعقل أو العلم أو الفضل، بل صار التفاهة عملة رائجة، وكل من أراد الشهرة ما عليه إلا أن يخلع وقاره، ويهين فكره، ويلوّن لسانه ليواكب السطحية التي صارت “ترند”. شباب بلا هدف، يصنعون محتوى لا يُطعم جائعًا ولا يوقظ وعيًا، ولكن يُدخل مالًا، ويروّج عبثًا، ويستجلب تصفيق الجهلاء.
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُم لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ ﴾ (البقرة: 11-12)
ما أصدق هذه الآية! كم من فاسد اليوم يرتدي قناع الإصلاح، وكم من تافه يدّعي الحكمة، ويجرّ خلفه قوافل من التابعين الغافلين!

_ الرويبضة في المناصب والسلطة
ما أقسى أن ترى منصبًا ساميًا يتبوأه من لا عقل له ولا ضمير، يتعامل مع مسؤولية المنصب وكأنها لعبة، يشتري الولاء، ويصعد فوق جماجم المخلصين. المنصب عنده ليس تكليفًا بل تشريفٌ يتكئ عليه لجمع المال
قال رسول الله ﷺ:
“من استعمل رجلًا من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.” (رواه الحاكم)
الخيانة ليست فقط في السرقة والرشوة، بل في تمكين من لا يستحق، وإقصاء من يحمل النور.

زمن الفوضى الفكرية لقد أصبح الحق يُسخر منه، والعلم يُستهزأ به، والمواقف تُشترى وتُباع. صار الناس يصفقون لصوتٍ عالٍ أجوف، ويتجاهلون الحكيم الصامت. ختامًا
زمن الرويبضة ليس قدَرًا لا يُرد، بل بلاء يستدعي الجهاد بالكلمة والموقف. نحتاج أن نكون أنبياء وعي في زمن الخداع، أن نحفظ للأجيال القادمة ما ضاع منّا: شرف الكلمة، وعظمة الفكرة، وقدسية الصدق.
في زمن يتكلم فيه التافهون، يجب أن يصرخ العقلاء.. حتى لا تصير الأمة أمة بلا عقل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى