رُدُّوا إليَّ واحتي …. مقال بقلم الأستاذ الدكتور عوض إسماعيل عميد كلية الدراسات الإسلامية السابق والعالم الجليل بالأزهر الشريف


رُدُّوا إليَّ واحتي …. مقال بقلم الأستاذ الدكتور عوض إسماعيل عميد كلية الدراسات الإسلامية السابق والعالم الجليل بالأزهر الشريف

في كل مرة يسوقني الشوق إلى واحتي الغناء فارّا من صخب المدينة وازدحامها، مرتجيا رؤية وجوه نتقرب إلى الله- تعالى – بالنظر إليها، وبمس جلودنا جلودها لنحيا ببركتها ،نافضا عن جسدي ورأسي غبار صراع الطرقات وضوضائها، مبتعدا عن إشكالاتها ومشكلاتها، طالبا قرار عيني وسكونها بما يريحها ويسرها ، باحثا عن بقايا حياة طيبة التذذناها بحلوها ومرها ، وكثيرها وقليلها ، عشناها صغارا وناشئة وشبابا في مقتبل أعمارنا ، وسعدنا بها على الرغم من ظاهرية قسوتها وخشونتها التي لايستطيعها غيرنا ، فقد كانت الليونة مستمدة من جدران بيوتنا القائمة عليها من نفس بيئتنا( الرمل والطفلة) ، كان برد الرضا الذي يملأ القلوب من برودة ظلها الظليل صيفا ، ودفء العلاقات الذي تكتسبه من حرارة الشمس شتاء ، ولطف الكلمات وخفة العبارات تنساب من الألسنة عذبة سائغة ، والاحترام والتوقير والتقدير في المعاملات في كل جنباتها ، والاستمتاع برؤية النجوم والقمر في سمائها الصافية من غير أن يزاحم عينيك ارتفاعات أبراج مقيتة شوهت معالمها وأقذت العيون بما عليها من لافتات لا انسجام بينها ولااتساق .
ردوا إلي واحتي ، ردوها إلي بشوارعها الهادئة بلا سيارات ولا إشارات مرور، ردوها إلي واحاتٍ كما كانت بلا أبراج ، ولا شقق استثمار ، ردوها إلي بأفراحها وأعراسها بجوار البيوت بأغانيها وتراثها الأصيل من دق الكف وغيره ،بلا دي جي ، بلا قاعات بأسماء غريبة على قاموسنا اللغوي ، ردوها إلي بأبنيتها الهينة اللينة المناسبة لأجوائها، بلا غابات أسمنتية صلبة أورثت القلوب ما أورثت من الصلابة والقسوة ،ردوها إلي بلهجة أبنائها المتفردةالتي لا مثيل لها في مفرداتها وطريقة أدائها ، بلا ليٍّ للألسنة بلهجةٍمسخ مشوهة- لاشرقية ولاغربية – مختلطة بغيرها ، ردوها إلي بالاحترام والتوقير والصلات والبر والتعاون وكلمات الحب الصادقة والمشاعر الرقيقة بين أهلها ، ردوها إلي بلا مولات تجارية ولافتات بغير اللغة العربية، ردوها إلي بشبابها الهاديء الوديع المتفاني في خدمة من حوله بلا شراسة ولاتنمر ولاتكبر ، ردوها إلي بأمنها وأمانها وبيوتها المفتحة أبوابها من بعد صلاة الفجر حتى صلاة العشاء بلا خوف ولا انزعاج، ردوها إلي بعطف أولي الأرحام بعضهم على بعض بلا إغارة على يتيم أوضعيف أومن لا حيلة له ، ردوها إلي -كما كانت – إن استطعتم ، وأنا موقن بعدم الاستطاعة، لأنني مدرك أننا لانخالف سنة التغيير ومجاراة العصر، ولا أنكر ذلك ، لكن هي محاولة لهروب افتراضي من واقع -لا شك -أن من عاش مثلي قبله يصطدم بكثير من متغيراته وأحداثه ، فيجد نفسه يحن – طوعا أوكرها – إلى ماض كان سعيدا به ، يلتمس فيه شيئا من بقايا حياة واحاتية رُبَّي عليها من وداعة ، ورقة ، ومشاركات اجتماعية وإنسانية في كل المناسبات، حتى في لهجة متفردة اختصت بها ، هذا التفرد الذي لفت نظر إحدى الباحثات أن تتناول لهجات الواحات الخارجة بدراسة في المفردات والأداء الصوتي أعجبني استقصاؤها والعجيب أن الباحثة ليست من أبنائها . ردوها إليَّ ولوبأصولها الثابتة التي ينبغي أن لاتقبل التغيير ، وأن تبقى ثابتة ثبوت الجبال الشُّم الرواسي .
اللهم انشر الأمن والأمان على ربوع مصر الغالية واحفظ حماها وارعها بعطفك واجعلها في أمانك وضمانك .
