رواية “ في الطريق إلى غرناطة “ للكاتبة كنانة عيسى…. قراءة وتحليل سهام جبريل

إنّ مهمّة الأدب هو: التعبير عن الإنسان وكلّ حاجاته وحالاته تعبيراً من شأنه أن يُساعد الإنسان على تفهّم نفسه وتفهّم الغاية من وجوده، وأن يمهّد له الطريق إلى غايته.
بدأت الكاتبة المتألقة كنانة عيسى حكايتها الطريق إلى غرناطة : بزوايا رصد متشظية في مرآة ثقافتنا وقضاينا الإنسانية المتناثرة في كل اتجاه .
الزمان والمكان والبعد النفسي ركنا أساسيا في تشكيل النص الروائي وتجسيد أبعاده التاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفلسفية في ظل ما حدث في الماضي وما يدار في الحاضر بتسعة فصول معنونة وبنهاية مفتوحة كانت القصيدة تصدح في حناجر الحروف خاتمة الرواية :

كانوا وكنا مرايا في تقابلها، الروح واحدة والظل ينعكس.

رواية الطريق إلى غرناطة للكاتبة المبدعة كنانة عيسى نسجت خيوط أفكارها من واقع مرير مدمي عاشته بلدها الأم سورية. حروب طاحنة عشعشت في خراب بلد من كان عنفوان للتاريخ ، للحضارة أركان من غرب الأرض إلى مشرقها حتى قيل لكل إنسان بلدين : بلده الأم و وبلده الثاني سورية .

وبخيال كاتبة وناقدة مثقلة بهموم الوطن وأوجاعه سافرت على متن السطور وفوق أجنحة التعابير اللغوية موغلة في عمق التاريخ إلى السكينة الموشومة على جدران القلوب وحيطان الكنائس ومسارح الموسيقى ؛ إلى الأندلس ( الفتوحات الإسلامية ) متجولة في حنايا الممرات وعظمة المكان ” تبحث في حي القيصرية عن بيتها جوهرة حقيقية مختبئة خلف ذاكرتها الأموية الموبوءة بالخوف من فقدان كل شيء “
كانت تبحث عن بيت يسكنها ، لبيت يمشط روحها المتعبة ويقصيها عن حالها”
كان صوتها وجع من كل ظلم صامت، قسوة عالم مزق ،روحا لم تستطع أن تحمل ثقل الجمر تحت رماد الصمت، مجتمع يختنق.
هل هي لاجئة تبحث عن مكان يقيها هدير القنابل المتطايرة في السماء وبلدها كان وطن لكل من قدم إليه يوما ؟!

أم إنها تنازلت عن كل معاييرها وانغمست في شقاوتها ،وتناست تاريخها (فهي امرأة جائعة لكل شيء متوحشة كلبوة ) .استفزتها كلمة لاجئ لم تعتد يوما عليها. حيث ممراته مليئة بالمخاطر من غرق في أعماق البحار وافتراس في متاهات الغابات ، وتبقى معايير الإقامة والحصول على جواز سفر ينتزع منك في وقت ما يشاؤون عدا (تعلم اللغة الألمانية، الاندماج في المجتمع ) تثقل كاهلك بمرارة الغربة.
فتصبح مريضا نفسيا تدور في دوامة أفكارك المريضة أصلا.
هكذا كان حال السوريين الذي هجرتهم الحرب وقطعت شرايين الحياة في أوصالهم .
ويمضي السرد بأسلوب قصصي جميل وبلغة عامرة ببلاغتها العربية المطعمة بالإنكليزية حينًا ( calle lerida DE Luna )وأخرى بالإسبانية أجبتها بإسبانيتي الركيكة ( losiento senora ) وعلى ذلك المقعد في مقهى بجانب الكاتدرائية وضع محفظته المهترئة على طاولة تساقط طلاؤها فسرقها ذلك اللص المعتوه ، لا تحتوي سوى على (صورة لأمي والأخرى لها ). حيث الرمزية وبلاغة اللغة في الكناية عن (الهوية ، الوطن) ،فبدأ جلال (الراوي ) يبحث عن حبيبته (…..) التي انتزعت من قلبه .

هل هو من اغتالها برحيله فسقط يبحث عنها في دوائر وأركان ذاكرته الملوثة بدخان الهاون وبهارات الأحزان،وظلمة الذاكرة ومرض الانفصام ؟ أم هي التي طعنتها بغدر أنثى” أورسولا الإسبانية ” حبيبته عندما حجزت لهما عن طريق الموقع الإلكتروني غرفة في بيتها في حي “القيصرية ” التراثي في غرناطة .
-هل أقنع المحقق “بورخا ” ببراءته بعد تفتيش سيارته ودفاتر مذكراته .
أم إن موعده مع الطبيب النفسي يفصل في الأمر. .؟
أم يقتل البطل لتأجيل الخوف من الفقدان ..؟

كل الزوايا عامرة ببلاغتها في الرواية تمطرنا بقضايا إنسانية معقدة ومتناقضة وترتقي بنا كأنشودة شعر ناضجة بحبات المطر .
تفتح حمم براكينها على الموروث الشعبي على المتناقضات التي تغزو حقول سلوكنا وثقافتنا متحدثة عن لعبة تسفك فيها الدماء باستمتاع كل من حضر لا بل ليغرز سكينه المميتة بين كتفي الثور الهائجي بل الخائف من الظلم.” لم أكن أصدق أن امرأة ممتلئة بالأنوثة والرقة والغموض قد تتلهف على مشهد منظم لسفك الدماء” تتابع
تجري هذه المهتمة عادة في ” مبنى مصارعة الثيران انتصب بغرور معماري مثير للغضب” تقول الكاتبة على لسان الراوي (تذكرت كولوسيوم روما الشهير وقرابينه المقدمة على مذبح الفرجة والتسلية، استفزتني استدارته المكان وعنوانه الذي حصن ضد الرحمة وسجن في داخله لهفة الإسبان الدموية للتلذذ باحتضار الحياة كانت كاترينا تصفق فرحا بقتل الثور.

سهام جبريل
سهام جبريل

تتأجج المشاعر الإنسانية المتناقضة بقالب لغوي بليغ .مبرزة الدوافع الدفينة المريضة في معايير الخير والشر، القتل والحياة وكأنها تروي مسرح الحرب العبثية في سورية. معرجة على رواية للكاتب الإسباني ” ميغيل دي ثربانتس” عن همنغواي وهي أعظم الروايات الكلاسيكية والواقعية في محاكاة العصر الحالي تناولت مفرداتها بالنقد والسخرية حيث قال أحدهم (إنك تحارب طواحين الهواء فهو يشبه دون كيخوته حين خرج متقلدا سيفه ممتطيا جواده ورأى طواحين الهواء فظنها عفاريت من الجن والشياطين فأقدم على مبارزتها. ومن عالم اللامرئي في العقل الباطن مقارنة بليغة بين (ميغيل سرفانتس )بتخيلاته في كتابة رواية على ضوء شمعة قاحلة تهترئ في بطء ظلمة ، وكئيبة هلوسات تشبه هلوساتي حيث أنا والدونكيشوت متقابلان في هستيريا العقل والوعي الأرعن متناقضاً في إنقاذ البشرية والحبيبة.
وهنا تزداد المظالم وإنكسارات الواقع.
صور بيانية مشبعة بالمشاعر الإنسانية طرحت قضيتها الكبرى بل قضاياها كإنسانة تمثل كل من فقد وطنه.

عرضت صورة الهبي بشكل متناقض استفزها بلباسه الفضفاض وأوشامه الرمزية فهي تعبر عن هويته الفكرية ، أفكاره مسالمة تدعو إلى العدالة الاجتماعية ونبذ القتل وقمع الحريات. و موسيقى “باتشاتا “التي كتبت في مصارعة الثيران للشاعر ( أجناشيوميخاس)
وأيضا السخرية من العالم الإنساني : تسخر من العدالة الاجتماعية قائلة:”عالم عادل مبني على المساواة الإنسانية لتعود لها رائحة القذائف الدمشقية.
كان الصراع بين الموت والحياة بين سطوة العقل وغلبة النهاية بين المراوغة والهمجية .

هكذا تتعاقبُ أجزاء الرواية وتتسع فضاءات الحكي لصور عديدة من علاقات إنسانية من بينها علاقة جلال ب ليلى (الحبيبة والخائنة فهي البطلة )وسالم الصديق (القريب )أورسولا ( العشيقة اللعوب المواربة ) وكاترينا (الصديقة المخلصة التي ساعدته في تجاوز محنته ) والمفتش بورجا والدكتور دييغو تداخل أصوات الراوي مع جلال وليلى في بدء القصة ويتناوب الروي ب الأنا (كان الأنا والهو في سرد الأحداث ) كما ركزت الكاتبة على الواقع اللامرئي في عوالم النفس

كوابيس كنت بطلتها كعادتك
وفقت الكتابة بالتحدث بلسان الرجل (ذاكرة الجسد أحلام مستغانمي )دون التدخل بالروي .واستعمال ضمير الهو والأنا. جلال الراوي والبطل ويكاد يكون الأوحد
حوار سالم وجلال قصير قال سالم :كيف وجدت ليلى يا جلال وأين. .؟دور الدكتور النفسي دييغو وكاترينا بالرغم من دورها الهام في حياة جلال ألا أن لم تأخذ الاهتمام الروائي في النص .

تكمن الجرأة في طرح قضايا كبرى (الهجرة والهوية الصراعات المزمنة من حروب وقتل . )إلى تجارب حميمية.
الرمزية المتعددة في الرواية بيت أورسولا” في حي أثرية يشبه الحي الدمشقي بتماثيلها الأثرية تتحول الى فضاء رمزي للعهد الأموي والتاريخ المشترك بين دمشق والأندلس تدفق رمزي للحياة والذاكرة “تماثيل جيجانتونز، الكاتدرائية الأندلس وماتمثله .المقارنة بين دمشق والأندلس من حيث التشابه التاريخي والثقافي والفني بين الدولتين .

مزجت العامية بالفصحى: حوارات الشخصيات تعكس اللهجة المطعمة بالإنكليزية والإسبانية دون افراط ، بينما السرد يحافظ على فصاحة أدبية .

والشعر يعبر عن الرباط المتين والأزلي بين المكانين الأندلس ودمشق وربطهما بالجوى (الحب المتجذر)

باسمك إذا أخلو إلى نفسي
كما يمر دمشقي بأندلس “محمود درويش”

الصور الحسية وصف الطبيعة في الأندلس نهر دارو ونهر بردى في دمشق
اختفاء ليلى بين الجريمة والحب والفقر والحرمان.
قدمت نقد اجتماعي عبر التفصيل في السردية في متن الرواية .

التناوب الزمني بين الماضي والحاضر بسلاسة. والتنقل المكاني بين دمشق والأندلس وغرناطة ودبي.
يعتبر الأسلوب السردي التي اتبعته الكاتبة في الرواية عنصر حيوي ساهم في بناء النص الغني والمعقد من خلال استخدام تقنيات متعددة مثل السرد الذاتي (جلال الراوي وهو البطل أيضا )بضمير الأنا كنت قلقا تائها وعميقا
واللغة الشعرية مكنت الراوي من تقديم رؤية عميقة للتجربة الإنسانية في مواجهة التحديات الثقافية والاجتماعية
.يظهر هذا كيف يمكن للأدب أن يكون وسيلة للتعبير عن الصراعات الداخلية والخارجية مما أغني النص الروائي ..

كانت بأبيات شعر
ربيت عمرا يتيما في ضفائرهم
قصوا ضفائرهم فالعمر يختلس

وكانت النهاية مفتوحة.

الأدب الحقيقي لا يجيب على التساؤلات ،بل يطرح أسئلة تقلق القارئِ هذا ماحققته الكاتبة عبر غموض جلال الراوي .
كما إن للأدب رسالة سامية، عندما أفكر بقراءة رواية أو كتاب يستيقظ كل الرصيد المعرفي الذاتي في داخلي ،و عندما تكتب تأتي المصفاة الداخلية التى تغيير وتتحول لفعل أدبي.

كل التوفيق والنجاح الدائم للكاتبة الناقدة المتألقة كنانة عيسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى