دُموعُ الأسْماكِ ….بقلم / مدحت صلاح


دُموعُ الأسْماكِ ….بقلم / مدحت صلاح

في إحدىٰ لَيالي الصَّيفِ الحارَّةِ، عاد “أكرم” إلىٰ مَنزله مُبكِّرًا تِلك اللَّيلةَ علىٰ غيرِ عادته؛ هربًا مِنَ الجوِّ الخانِقِ والرُّطوبةِ العاليةِ في الخارجِ، بَعد أن تركَ أصدقائه في المقهىٰ.
كان يعيشُ بمُفردِه بعد أن تُوفِّيَتْ أُمُّه مُنذُ سنواتٍ، ومضىٰ به قطارُ العُمرِ دونَ زواجٍ؛ مضىٰ شبابه، وهو الآن علىٰ عِتباتِ الكُهولةِ.
وضعَ لِفافةَ عَشائِه التي ابتاعَها أثناءَ عودتِه، وهو يُمنِّي نفسه بحمامٍ باردٍ مُنعِشٍ، والجلوسِ بهدوءِ واسترخاءِ.
دخلَ إلىٰ غُرفةِ المَعيشةِ، فتحَ جهازَ تكييفِ الهواءِ، وأدار بعضَ الموسيقىٰ الهادئةِ، وأطفأ جميعَ الأضواءِ؛ فَسادَ الظلامُ إلَّا مِن ضوءٍ خافتٍ حثيثٍ لحوضِ الأَسماكِ، الذي جلسَ قبالَته في هدوءٍ واستمتاعٍ.
شَرُدَ بعقلِه فترةً مِن الوقتِ، ولكنه انتَبَهَ فجأةً إلىٰ إحدىٰ السَّمكتينِ اللتين يَملِكُهُما، وقد أَلصَقَتْ وجهَها في جدارِ الحَوضِ تنظرُ إليه، فأخذ يُحدِّقُ فيها، كاد يُجزمُ أنه لمحَ في عَينِها دَمعةً، رغم أنه كان علىٰ يقينٍ أنَّه ليس للأسماكِ قنواتَ دَمعيَّةً… ولكن ها هي… ها هو يراها!!
هَلْ هو واهمٌ أمْ أنه مُجردُ انعكاسٍ للضوءِ علىٰ فُقاعةِ هواءٍ في الحَوضِ؟ اقتربَ أكثر، وإذا به يُشاهِدُ السمكةَ الأخرىٰ طافيةً علىٰ سطحِ الماءِ… مَيْتة!
انتَشَلَ السمكةَ الميتةَ، وألقاها إلىٰ القمامةِ بحسرةٍ، وعاد ليجلسَ مكانَه، ناظرًا إلىٰ الحَوضِ والسمكةِ الأخرىٰ بدهشةٍ بالغةٍ وهو يُسائلُ نفسه:
هل كانت السمكةُ تَذرفُ الدموعَ حُزنًا علىٰ رفيقتِها؟
علميًا لا، ولكن ما الذي رآه!؟ وكيف له أن يرىٰ دموعًا مِن الماءِ في الماءِ!؟
أمِن أجلِ هذا لا تَدمعُ الأسماكُ لأنَّ دمعَها لا يُرىٰ؟!
ولكن، مَن قال إنّ أحدًا يُحبُّ أن تُرىٰ دُموعُه؟!
كثيرٌ مِن البشرِ تتساقطُ دُموعهم إلىٰ الداخلِ كحمَمِ البُركانِ؛ تسقطُ لتحفرَ في القلبِ أخاديدَ غائرةً لا تَندمِلُ بسهولةٍ، ولا يراها أحدٌ أيضًا، مثلَ دموعِ السمكِ في الماءِ هذا لو كان.
وإذ به فجأةً يَهبُّ واقفًا، صارخًا كـ”أرخميدس”– حين اكتشف قانون الطفو – : «وجدتها… وجدتها!» لقد فَهِمَ الرسالةَ الآن، رسالةَ القَدَر، عِندما تذكّر تِلك الدموعَ في عيونِ عاملةِ المَطعمِ مُنذُ قليلٍ، بينما كان يبتاع طعامَ العشاء عِندَ عودتِه، لكنه لمْ يُعرْ الأمرَ حينَها أدنىٰ اهتمامٍ، لعلّه كان في عجلةٍِ للعودةِ هربًا مِن الجوِّ الحارِّ الرطِب، أو أوعزَ إلىٰ نفسه أنه ليس مِن شأْنه، وليس مِن حقّه التدخُّل فيما لا يعنيه، حقًا لا يدري…
ولكن الآنَ الأمرُ يختلفُ، تلكَ رسالةٌ إلهيّةٌ.
لمْ يَّكُنْ يومًا يُؤمِن بالإشاراتِ، لكن – ذاك اليومُ – شَعر وكأن هُناكَ شَيّئًا غَير مُكتَملٍ، غريبٌ عَنْ النَسق، عَنْ التِكرارِ المُعتاد للأيامِ.
حاول أن يجلسَ مرةً أخرىٰ ويطرحَ الأمرَ برمته جانبًا، ولكنْ هيهات؛ لمْ يدرِ بنفسِه إلا وقد أبدلَ ثيابَه ويتأهّبُ للانطلاقِ والعودةِ إليها… إلىٰ فتاةِ المطعمِ الباكيةِ.
……
كان مَنزلُ “أكرم” لا يَبعدُ أكثرَ مِن شارعينِ؛ وعندما وصلَ إلىٰ مَقربةٍ مِن المطعمِ ليجدَ في انتظارهِ مفاجأةً: المطعمُ قد أطفأَ أضواءَه ويُكاد يَغلقُ أبوابَه؛ فأسرع يستحثُّ الخُطىٰ.
وجد بعضَ الفتيةِ والفتياتِ مِن العاملينَ بالمطعمِ واقفينَ في الخارجِ، ولكن الفتاةَ لمْ تكن بينهم، فأسقطَ الأمر في يدهِ ولمْ يعرف ماذا يفعل!
وبعد تردُّدٍ لحظاتٍ، حزمَ أمرَه وتوجّه إليهم بالسؤالِ مُتودّدًا:
– السلامُ عليكم.
ردّوا السلامَ بفتورٍ وفضولٍ ارتسمَ علَىٰ محيَّاهم، مُعتقدينَ أنه سيسألُ السؤالَ المُتكرِّرَ دائمًا: هَلْ أغلقتم؟
ولكنه سُرعانَ ما استطرد:
– مِنْ فضلكم، أنا كنتُ هُنا مُنذ قرابةٍ الساعتين، وكانت هُناك آنسةٌ تجلسُ علىٰ “الكاشير”، هل يُمكن أنْ أعرفَ أينَ هي؟
ردّ أحدهم بتحفّزٍ واضحٍ قائلًا:
– وفيما تريدها حضرتُك؟
ردَّ “أكرم” بذكاءٍ وسرعةِ بديهةٍ:
– لا شيء، لقد كنتُ هُنا أشتري بعضَ الشطائرِ، وعندَ عودتي إلىٰ المنزلِ وجدتُ أنَّ هُناك خطأً في الحِسابِ، ومعي نقودٌ أزيدُ مِن حقي، فخشيتُ أن تَضُرَّ تلكَ الفتاةُ بسببي، أو أنها تُسدّدُ الفارقَ مِن مالها الخاصِ.
كانت هُناك فتاةٌ تقِفُ علىٰ مَقربةٍ مِن الجَمعِ تُتابعُ الحديثَ باهتمامٍ؛ اقتربت قائلةً:
– صدقتَ يا أستاذ، حقًّا إنكَ رجلٌ كريمٌ حقًا؛ فعندما كنتُ أنا و”مها” نعدّ ونحسبُ ميزانية اليومِ، وجَدنا عَجزًا عشرينَ جنيهًا وسددناه بالفعلِ مِن مالِنا الخاصِ.
استغربَ “أكرم” جدًّا، لكن سُرعانَ ما جذَبَتهُ الفتاةُ بعيدًا عَن الشبابِ قائلةً:
– لحظاتٍ فقط، “مها” سوف تخرجُ الآن.
وفي هذه الأثناء، انصرفَ الشبابُ مُلوِّحين لبعضِهم البعضِ، بعضُهم سارَ مُبتعدًا، والبعضُ الآخر استقلَّ دراجتَهُ الناريةَ الخاصةَ بتوصيلِ الطلباتِ، وما أن رحلوا حتىٰ التفتت إليهِ الفتاةُ قائلةً:
– خيرًا يا أستاذ، ما هو الموضوعُ بالضبط؟ أنا لم أشأ أن أفتعلَ مُشكلةً أمام الزملاءِ والعاملينَ و…
– أنا ذكرتُ لكِ أن…
– كاذب…
قاطعته فجأةً بحدةٍ وحزمٍ، ثمّ استطرَدَت قائلةً:
– ماذا تريد بالضبط؟ أنا احتويتُ الموضوعَ أمامهم، ولكن لا يوجد في الحقيقةِ أيُّ عجزٍ في الميزانيةِ، ولو كان لكانَتْ أنا أول مَن علِمَ بذلك، و…
صمتت فجأةً، ثم أضافت في هلعٍ:
– هل أنتَ من المستشفى؟ هل حدثَ ما يسوء؟!
وفي تلك اللحظة ظهرت “مها” في حالةٍ مُزريةٍ، كانت تبدو شاحبةَ الوَجه، بعينين حمراوين واضِعةً منديلًا علىٰ أنفها، ويبدو جليًّا أنها كانت تبكي؛ ولكن هذه المرة بحرقةٍ واضحة، ثُمَّ تمالكت نفسها بَعد أن رأت صديقتها واقفةً مع رجُلٍ غريب، فلم تتعرّفْ إليه مع كثرةِ روّادِ المطعم، ولا سيما في تِلك الحالة التي كانت وما تزال عليها؛ فأشارت إليها صديقتها قائلةً:
– هذا الأُستاذُ يسأل عنكِ، ويتفوّهُ بكلامٍ غريبٍ عَن وجودِ خطأٍ في الحسابِ.
تردّدَ “أكرم” لحظاتٍ يُفكر ولمْ يعرف كيف يبدأ، خاصّةً أمام صديقتها، لعلّها لا تُريدُ أنْ يعرفَ أحدٌ، وإذا ما كانت لا تريد أنْ يعرفَ أحدٌ؛ فلماذا تُخبِرَّهُ، ولكنه جمعَ شتاتَ نفسه؛ واتَّخذَ قرارَهُ بالمصارحةِ خشيةَ أنْ يُفهمَ علىٰ محملٍ خاطئٍ، وحكىٰ لهمَّا ما حدثَ مُنذُ لحظةٍ أن لمحها تبكي، حتىٰ عادَ الآن… فسادَ صمتٌ طويلٌ بعضَ الشيء، إلىٰ أن قطعتَهُ “مها” موجّهةً كلامَها إلىٰ صديقتها:
– آسفةُ يا “هالة”، عطّلتُكِ معي، والوقتُ قد تأخّر؛ تستطيعين الانصرافَ الآن، لا تقلقي.
فهمت صديقتها أنها تريدُ أن تُصرفَ بذوقٍ، فلمْ تُغضبْ مِنها، مُقدّرةً ظروفَها؛ وانصرفت بعد أن حيّتها مع وعدٍ بالاتصالِ للاطمئنانِ عليها، وكأنّما هي رسالةٌ تحذيريةٌ إلى “أكرم”.
ومرّةً أخرىٰ، ساد بعضَ الصمتِ، وكأنّ كليهما يُحضّرُ ما سيُقوله، إلىٰ أنْ بادرَ أكرم:
– أنا آسف، واللهِ ما قصدتُ التدخّل مِن باب الفضول، ولكن لعلّي أستطيع المُساعدة، فقد شعرتُ أنّها رسالةٌ إلهيّة كما حكيتُ لكِ.
نظرت إليهِ “مها” نظرةً فاحصةً، ولكن بسرعةِ خاطفة كعادةِ الأنثىٰ، برغمِ صغرِ عمرِها الذي لمْ يتجاوز العشرين عامًا، رأتهُ رجلًا تبدو علىٰ ملامحهِ الطيبةُ والوقارُ في مُنتصف العقدِ الخامسِ مِن العمرِ، ثيابه أنيقةٌ مُهندمةٌ، بالرغمِ أنه لا يبدو عليه ملامحُ الثراءِ، فخابَ أملُها بعضُ الشيء.!!
وقالت فجأة:
– هَلْ معَ حضرتِك سيَّارة؟
– لا؛ ولكن تركتها عِند المنزل، فهو قريبٌ منْ هُنا.
– لا يهم، المسافةُ أيضًا غَير بعيدةٍ… هَلم بِنا.
– إلىٰ أين؟ أنا لا أفهم قصدكَ!؟
– عِندما نَصلُ، سوف تفهمُ كلَّ شيءٍ، ألمْ تكنْ تريدُ أن تعلمَ سببَ بُكائي؟ سوف ترىٰ بعينيك وأُقصُّ عليكَ وقتها ما خفي عَنكَ، فلمْ يعد بيدي شيءٌ أستطيِّع فعلَه، فمَن يَّعلم، قد تكون حقًّا رسالة مِن السماءِ وتستطيع مُساعدتي، وقد تكون هذه آخرُ فرصةٍ لي، وآسفةْ جدًّا، فلم أتوقّع يومًا أن أصلَ إلىٰ تِلك المرحلة مِن المَهانة..و..
وسالتْ دُموعُها مَرةً أخرىٰ.
سارا معًا دون كلمةٍ واحدة، وامتزج صمتُ الشارعِ في هذهِ الساعة المُتأخرة بصمتِهما، الذي لمْ يقطعهُ سوىٰ صوتِ نَشيِّجُها ونَحيبُها المَكتوم ..
حاول أن يخفف عَنها قليلًا وأن يجعلَها تبوح بمُشكلتها، ولكنها استَجمعتْ شتاتَ نَفسِها وقالتْ:
- أرجوك لا تسألني عَنْ شيءٍ الآن، فقط أصبر حتىٰ نصل.
هزَّ رأسه موافقًا، وهو يُحاول قراءة وجهها مِن طرفِ عينه دون أن يُحرجها.
لمْ تكنْ فتاةً عاديةً كمَّا ظَن في البداية، فيها مِن الوقارِ ما يجعلها تبدو أكبر مِنْ عمرها، ومِن الأسىٰ ما يُثقل وجهها برغمِ جماله الطفوليّ الحزين.
حتى وصلا أمام إحدىٰ المُستشفيات الخاصة، ولكنها لمْ تكُ مِن تِلك المُستشفيات الكبيرة الاستثمارية بَلْ كانتْ صغيرة مُتواضعة للغايةِ، أشبه بالمُستوصف. كان بناءٍ قديمٍ مِن أربعة طوابق، بدا مُتصدِّعًا في بعضِ جوانبه، هُنا أشارت “مها” نحوها بإصبعها قائلةً:
– لقد وصلنا… تعال.
وتقدمَتْ إلىٰ الداخلِ، بدا واضحًا أنها تعرفُ طريقَها جيدًا ولمْ يوقفها أحدٌ. كان الضوءُ خافتًا في هذه الساعة المُتأخرة نسبيًّا، ورائحةُ المُطهّرات تزكمُ الأنوفً، والصمتُ يلفّ المكانَ. مرّت أمامَ مكتبِ الاستقبالِ المتواضع وحَيتهم بإشارةٍ مِن رأسِها، كانتْ خطواتُها تُنذر بشيءٍ قادم، حتىٰ توقفت فجأةً أمام إحدىٰ الغُرف، تنهدتْ، ودَخلتْ أولًا، بعد أن أزاحت بيدها إحدىٰ الستائر الخضراء الباهتة الَّلون، فلمْ يكن للغُرفةِ باب، ثُمَّ أشارتْ لهُ في صمتٍ للدخولِ..قائلة:
- أرجوك، لا تتكلم، فقط انظر…
دخل “أكرم” ليجدَ سيِّدةً في العقدِ السادسِ مِن العُمر، ترقدُ علىٰ السريرِ في سكونٍ، شاحِبةِ الوجه، شُحوب الأمواتِ.نحيلة الجسدِ، تبرز عِظامُها، راقدةٌ علىٰ فراشٍ بلا ملامح تقريبًا، تتنفس بصعوبةٍ واضحة، يعلو صدرها ويهبط في قلقٍ، حولها بعضُ الأجهزة الطبية القديمة نوعًا ما، مُتصلةِ بجسدِها بالعديدِ مِن الخراطيمِ والأنابيبِ.
أشارت “مها” له بصوتٍ خافتٍ ليجلس علىٰ المقعدِ الوحيد بالغُرفة، قائلةً:
– هذه أمي، هي كلُّ حكايتي، وكلُّ حياتي وسببُ بكائي الذي أحببت أنَ تعلمَه.
صَمتت قليلًا واغرورقت عيناها بالدموعِ، ثُمَّ أكملت:
– ليس لي سواها في هذه الدنيا؛ لا أهل، لا أقارب. بعد أن توفيَّ والدي وأنا ما زلتُ طفلةً في السادسةِ مِن العُمر، وكان لي أخ يكبرني بعامين، والذي سرعان ما لحق بأبي بسبب حادثِ سير، وأصبحت أنا وأمي وحيدتينِ في هذه الحياة بكل قسوتها، بدون عائلٍ أو أيّ أحدٍ بجانبنا.
ولكنها عانت كثيرًا؛ عمَلتْ وكدتْ حتىٰ استطاعت تعليمِي وتربيَتِي بمفردِها، إلىٰ أن اعتلَت صحتُها ومرضت مِن كثرةِ مُعاناتها وشقائها، وها هي الآن بينَ الحياةِ والموتِ، وإن كانت إلىٰ الموتِ أدنىٰ.
لابد أن تُجري عمليّة جراحيّة في أقربِ وقتٍ، وغدًا علىٰ أقصىٰ تقدير… وإلّا…
وانهالَتْ دُموعُها مَرةً أخرىَ، ثُمَّ استطردت:
– العمليةُ تكلفُتها كبيرةٌ جدًّا، وهذه أقلُّ مُستشفىٰ استطعتُ الوصول إليها. بعد أن بعتَ كلَّ ما نملك في الدنيا، حتىٰ أثاث البيتِ، واقترضتُ مِن كلّ مَن أعرفهم أو حتىٰ لا أعرفهم، وكلُّ هذا لا يفي بمقدارِ رُبعِ تكلفةِ تلكَ العملية.
سألها أكرم بصوتٍ مرتجفٍ:
– ولماذا لم تذهبِي بها إلى إحدى تلك المُستشفياتِ الحكوميّة؟
أجابت مها بعيونٍ دامعةٍ وحروفٍ تحمل سُخرية مريرة:
– وهل تعتقدُ أنّني لمْ أحاول ذلك! هي بالفعلُ مُسجّلةٌ علىٰ قوائمِ الانتظارِ، ولكننا نُسابق الوقت، ولا نملك رفاهية الانتظار.
طأطأتْ رأسَها واضعةً كفيها علىٰ وجهِها.. ركعتْ بجوار فراش أمها وهي تمسكُ كفها برفقٍ، آخِذةً في بكاءٍ حارٍّ صامتٍ، ونحيبٍ يُمزِّق نيَّاطَ القلوبِ… مَرتْ فترةٌ مِن الوقتِ، وعندما تمالكتْ نفسها ورفعتْ رأسَها فجأةً… لمْ تجدْه!
ابتسمتْ بسخريةٍ مُرة، فلابدَّ أنهُ تَنصَّلَ مِنها وهرب كما فعل الكثيرون غيرَه من قبل.
ولكن شيئًا ما دفعها للخروجِ خلفه، وبالفعلِ، لمْ تجده أيضًا خارجَ الغُرفةِ. كان قَد رَّحل…
وعِندما مرّتْ عائدةً أمامَ مكتبِ الاستقبال، ناداها الموظّف:
– يا آنسة… لحظةً مِن فضلكِ.
– خيرًا؟
قال الموظف:
– الأستاذُ الذي حضر مَعكِ قد قامَ بدفعِ تكاليفِ العمليةِ ببطاقةِ الائتمان، وقالَ أنَّ أسلِمَكِ الإيصالَ…!
……
عاد “أكرم” إلىٰ مَنزله وإلىٰ نفسِ المقعدِ الذي كان يجلسُ عليه، شاخصًا ببصرِه نحوَ حوضِ الأَسماكِ مَرةً أُخرىٰ، رافعًا رأسَه، راحلًا بعقله إلىٰ سنواتٍ خَلتْ، حينما كان في مُستهلِّ عملِه بالخارجِ، في إحدىٰ الدول العربية، بعد أن باعَ كلَّ ما يملك، حتىٰ مصاغَ والدتِه، للحصولِ علىٰ تكاليفِ السفر… عِندَها مَرضتْ والدتُه بهذا المرضِ المُتوحِّشِ الكاسِر، ولمْ يَّجد لها نفقاتِ العلاجِ مِثلَ أمِّ تلكَ الفتاةِ، وحينها لمْ يكن في يده شيءٌ يستطيعُ فعله؛ فلا يستطيع العودة ليكونَ بجانبِها، ولا يملك ما يرسِله لها… حقًّا الأعمارُ بيدِ الله، ولكنه لمْ يَفْتَأ كُلَّ يومٍ وليلةٍ يُجلِدُ نفسَهُ مُنذُ وفاتِها.
لم يكن يومًا ثريًّا، وكان ما دفعَه لسدادِ تكاليفِ تلك العمليّة لتلك الفتاة هو تقريبًا كلُّ ما بقيَ مِن مُدخراته بعد عودته مِن الخارجِ. ولكنه اليوم فقط شَعر لأول مرةٍ بالراحةِ الَّتي تَسكنُ قلبَه وعقله، وتهدأُ روحه، وأنه قد سدد ولو جزءًا بسيطًا تجاه والدتِه، وإن كان لا يستطع إعادتها إلىٰ الحياة.
“فمَنْ أحيَّا نفسًا فقَد أحيَّا الناسَ جميعًا.”
(تمت)


