ثورة يوليو وعصر الأحلام الكبرى …. مقال بقلم الإعلامي و الناقد و الشاعر القدير : السيد حسن


ثورة يوليو وعصر الأحلام الكبرى …. مقال بقلم الإعلامي و الناقد و الشاعر القدير : السيد حسن

ثلاث وسبعون سنة مضت على انطلاق ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، وخمس وخمسون عاماً مضت على رحيل الزعيم الوطني جمال عبد الناصر، ومازال الفكر السياسي المصري منشغلا بالثورة من ناحية، وبالرجل وسنوات حكمه التي تجاوزت الخمس عشرة سنة بالكاد، ومازال الجدل متجدداً حول السنوات التي قضاها في حكم مصر، بكل ما حملته هذه السنوات وما سبقها من شهور من زخم سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي فريد، ومازال سيل الاتهامات يتواصل، ومازال جبل العشق يتصاعد، وكأن هذه العقود الستة قد زادته حضورا، أو كأن حضوره عصي على الغياب.
وعلى الرغم من أني أعلنت كثيرا أنني أبداً لم أكن درويشا من دراويش جمال عبد الناصر، ولا واحدا من مريدي هذا القطب الوطنى القومى الجبار، الذى تمتع فى حياته وبعد مماته بقدرة لا حدود لها على جذب الدراويش والمريدين،
وعلى الرغم من أني لست واحداً من الناصريين، وأن فكرة التسمية ذاتها لا تروق لى على الإطلاق، ربما لأن التسمية تعنى بتلقائية أن أكون متبنيا لكل مواقف ناصر، ومضطراً للدفاع عن أخطائه، ومن منا بلا أخطاء؟! وربما لأن لدي من الاعتداد الإنسانى والزهو الذاتي ما يجعلنى أرفض فكرة الدوران فى فلك إنسان آخر، مهما كانت درجة إعجابي بمنطلقاته أو احترامي لمنجزاته.
أقول : على الرغم من هذا كله، فإن السؤال المطروح: هل يمنعنى هذا كله من أن أكون منصفا فى النظر إلى الرجل ومشروعه، فضلا عن النظر إلى الثورة وأحلامها؟؟؟
وهل يمكن لي أو لأي عربي آخر أن ينكر زعامة ناصر؟ أو وطنية المرحلة وما تميزت به من إخلاص ونزاهة وسعي إلى حرية الأمة من أقصاها إلى أقصاها؟؟
إنني لا أتردد في أن أعلن بصورة لا تحتمل الشك أو التأويل أنني أنحني احتراما لهذا المشروع الوطني المذهل، وهذا الطموح القومي الرفيع، الذي انطلق مع ثورة يوليو، وكشف عن عشق فريد للوطن بل وللأمة كلها.
وإنني لأعجب : كيف أصبحنا بحاجة إلى أن نتذكر أن ثورة يوليو كانت بوابة للتحرر الوطني، بدءا من خروج الاستعمار البريطاني من بلادنا، إلى تحرير الإرادة الوطنية والعربية من التجليات الاستعمارية الجديدة؟
وكيف أصبحنا بحاجة إلى الدفاع عن قوانين الإصلاح الزراعي التي أعادت أرض مصر إلى فلاحيها البسطاء؟
وكيف أصبحنا بحاجة إلى إزالة الالتباس عن القوانين التي حفظت للعامل المصري كرامته الإنسانية من ناحية، وفتحت أبواب العدالة الاجتماعية من ناحية أخرى؟!
أصبحنا بحاجة إلى أن نذكر أنفسنا بالنهضة الصناعية الكبرى التي كانت تتجلى في مشروعات بحجم مصانع الحديد والصلب بحلوان والتبين، ومجمع الالومنيوم بنجح حمادي، والهيئة العربية للتصنيع، و…و… ألخ.
أصبحنا بحاجة إلى أن نتحدث مجددا عن قناة السويس وتأميمها، أو عن السد العالي وبنائه، أو البعد القومي وإيقاظه، أو البعد الإفريقي والوصول به إلى أقصى مداه، أو المكانة المصرية، ليس فقط في المجموعة العربية، أو مجموعة عدم الانحياز، أو في دوائر التحرر في العالم، بل في العالم من مشرقه إلى مغربه.
ثم صار علينا أن نتحدث عن النهضة التعليمية الجارفة، التي أتاحت لملايين المصريين البسطاء من أمثالي أن يجدوا لهم مكانا حقيقيا تحت شمس الله المضيئة لا الحارقة، والتي جعلت للعلم عيدا يحضره رئيس الجمهورية؛ ليقول للدنيا كلها: إن العلم على رأس أولويات الوطن، وفتحت الباب أمام بعثات علمية عادلة يحظى بها المتفوقون الحقيقيون من أبناء الوطن.
صار علينا أن نتحدث عن عصر الأحلام الكبرى الذي بدأ بالقرى المصرية، وهي تفتح عينيها لتجد في كل واحدة منها خمسة مشروعات متجاورة: مدرسة، ومستشفى، وخزانا لضخ المياه النقية، ووحدة اجتماعية، كان المصريون يسمونها المجمع، فضلا عن الجمعية الزراعية التي تجعل الفلاح المصري في عينها وقلبها.
أصبحنا نسمع مقولات مضللة عن أن القاهرة قبل ثورة يوليو كانت أجمل مدن الدنيا، فيها الجرسون اليوناني، والحلاق الإيطالي، والطباخ الفرنسي، والعمال القبارصة، وأن مصر كانت تدين بريطانيا بعدة آلاف من الجنيهات الإسترلينية، وهي مقولات صحيحة في مجملها، ولكنها تنسى أن مصر ذاتها لم تكن للمصريين، وأن الجموع الحاشدة من المصريين كانت غريبة في وطنها، فمن من آبائنا أو أجدادنا كان يطهو له الفرنسي، أو يحلق له الإيطالي، أو يناوله اليوناني كأسه في البار؟!
إنك باختصار حين تتحدث عن تحرير مصر من سيطرة رأس المال أو فساده، فإنك تتحدث عن ثورة يوليو التي تحتل القلب منها الفكرة الناصرية، وحين تتحدث عن مفهوم العدالة الاجتماعية فلابد لك أن تستدعي الطموح الكبير الذي سعى ناصر إلى تحقيقه، ونجح في تحقيق إنجازات عملاقه في سبيله، قبل أن تنقض الرؤى المناقضة على كل ما حققه من إنجازات، وحين تتحدث عن مفهوم تحرير الإرادة الوطنية، فإنك تتحدث عن حلمه الكبير الذى سانده فيه الأحرار من كل شعوب العالم، وتآمر أقطاب العالم من أجل كسره، وحين تتحدث عن الكرامة الوطنية التي تأبى الضيم، ولا تستسلم للاعتداء عليها أو النيل منها، فإنك دون شك في قلب المشروع الناصري والفكرة الناصرية والحلم الناصري الكبير، أما حينتتحدث عن التوجه العربى أو التوجه الإفريقى أو المكانة التى تستحق مصر أن تحتلها، فلابد أن تستعيد إنجازات ناصر ومنطلقاته وحتى أحلامه، التي مازالت آثارها باقية في عواصم عدد كبير من دول العالم وميادينه وشوارعه.
لابد لنا جميعا ونحن نتأمل مشروع عبد الناصر وسنوات حكمه أن يلفت نظرنا أنها من الحالات النادرة التى كان فيها النظام الحاكم سابقا فى طموحاته وتحركاته للشارع ذاته.
لست بحاجة إلى أن أقول إن ثورة يوليو كانت بوابة كبرى للعدالة الاجتماعية، تعيد مصر إلى المصريين، ولكنني بحاجة إلى أن أعترف بأن الطريق لم تكن وردية دائما، ولا مثالية دائما، ولا مبرأة من الأخطاء الصغرى والكبرى، وأنا بحاجة أكبر إلى أن أقول: اتقوا الله في أوطانكم.
