تابع رواية (فاتن) : الحلقة الخامسة ….بقلم حسين الجندي

أغلقت (فاتن) الهاتف في وجه (يامن) مبتسمة ابتسامة ظفر، ثم قذفت هاتفها على أريكتها وتمددت عليها في نشوة وتحدثت مع نفسها:

  • ههه.. لم يكن يهمني سوى تلويثه لقد نجحت.. نجحت بامتياز ..
    ثم توقفت فجأة لتدخل بعدها في نوبة بكاء حارة لتردف بعدها :
  • لا أنكر أنني أحبه، بل طالما تمنيته، دائما كان فارس أحلامي ،هو رجلي الوحيد الذي إذا أُعْطِيته لن أطلب من الدنيا سواه، لكني لا أستحقه لا أستحقه ،أنا حقيرة حقيرة حقيرة.. ظلت تبكي حتى جفت مآقيها ،أخذت تعبُّ من النبيذ بلا رحمة، حتى غابت عن الوعي في مكانها..

انفضَّ الفرح وانصرف المدعوون ولا حديث على ألسنتهم سوى ما شاهدوه، لقد صار (يامن) من وقتها منبوذا مطرودا ،بدايةً من أسرته، نهايةً لآخر شخص يعرفه..


كان مخزون التربية والأخلاق عند (يامن) دافعا له لكي يحافظ على حياته، لقد ارتأى أن الحل-ولو مؤقتا- هو البُعْد التام والسفر إلى مكان لا يعرفه فيه أحد ، فأغلق هاتفه وانعزل عن العالم، على الأقل العالم الذي يعرفه، العالم الموصوم فيه..

لكن أكثر ما أقلقه هو ذلك المرض اللعين الذي انتقل إليه، كان يعلم تماما أنه ليس بالمرض العادي الذي يمكنه الإفصاح عنه..


ظل طيف (يامن) يتردد كلقْطَة مُعادة في ذهن (وفاء) زوجته، كان هذا الطيف يمثل (يامن) في أبهى صورة رأته عليها..

لا تنكر أنها بعد الذي شاهدته في الفرح نُكِتَ داخلها نكتة سوداء من الصعب محوها، فضلا على أنها تتسع..

لم تستطع كبشر وقف دوي الصوت المختلط من كل المحيطين بها وهم يطعنون فيه و في شرفه ،وكأنه لم يكن في يوم من الأيام وإلى وقت قريب أفضل رجل في العائلة، وملاذ لكل لاجئ، ومقصد لكل مؤتم ..

قلبها يَأْبَى وبشدة تصديق ما رأته؛ فعلى مدى حياتها معه لم تجد منه إلا كل حنان وحب وإخلاص ، نعم أحيانا كانت تجده شاردا معها وكأنها ليست معه، لكنها كانت تعذره؛ فمشغولياته كثيرة، حتى عندما صارحها يوما بأنها هي السبب..
في البداية اعترضت وحزنت وظلت أياما تأخذ جانبا منه إلا أنها عندما وقفت مع نفسها اكتشفت أنها بالفعل قصَّرت في حق نفسها قبل حقه..
لقد صارت الحياة بينهما رتيبة ، لم تعد تهتم بذاتها، صبَّت جل اهتمامها على أولادها ..

تذكرت عندما عادت بذاكرتها عشر سنوات الى الوراء كانت كفراشة في رقتها ،كنسمة في ضحكتها، كوردة في طلَّتها، وكأنها (مانيكان) إذا ارتدت، غصن (البان) اذا تثنَّت، يأتي لها بالورد، تُجَهِّز له من قلبها إصيصا ،وقتها امتلكت قلبه، عقله ،وكيانه، تأجَّج الحب بينهما..
وقتها لم تره شاردا معها قط..


دق جرس الباب فجعلها تستفيق لترى من القادم..

  • أهلا يا بابا.. قالتها والحزن يملأ وجهها..
    دار بعدها حوار شجي، ظل الوالد يتندر على مواقف (يامن) المحترمة؛ لقد كان يُقدِّره للغاية ،ويراه هدية السماء لابنته؛ لذا ظل يضرب كفا بكف تعجبا، لقد أقسم أكثر من مرة أنه بريء من هذه التهمة..
    ولكنه في الوقت ذاته لا يستطيع تكذيب ما رأته عيناه.. وقبل أن يغادر نظر في شفقة إلى ابنته وأحاط وجهها بكفيه في حنان بالغ هامسا:
  • لا تتركي شيطانك يسرح بك إلى أبعد من ذلك، وسأسير وراء قلبي، لعله يدلني على طريق أضع فيه قدما للوصول إلى الحقيقة التي أراها مختفية حتما وراء ما رأيناه..

أفاقت (فاتن) على صداع رهيب يكاد يفتك برأسها، لا تتذكر شيئا من عتابات الليله الفائتة ، هكذا ديدنها لا تحمل ذاكرتها سوى ما يحقق لها المصلحة، تناولت فنجان قهوتها الصباحية ، وأخذت تنفس دخان سيجارتها،ثم أخذت تتصفح جهات الاتصال بهاتفها، حتى وصلت الى اسم كان لوقوع عينيها عليه كفيلا بأن يجعل وجنتيها تزداد احمرارا على احمرارها الطبيعي، أخذت أنفاسا متتابعة من سيجارتها ، حتى فوجئت (بفلترها) يحترق بين إصبعيها، دهستها في المطفأة بغيظ ،وأمسكت بهاتفها وظلت تضرب به راحة كفها بهدوء وعقلها يدبر أمرا ما..

ويبدو أنها حزمت أمرها في الأخير ..

ضغطت على رقم (ميار) على شاشة الهاتف لأول مرة منذ أخذته من إحدى صديقاتها منذ زمن، تمنَّت أن يكون الرقم صحيحا..

-آلو من معي قالتها (ميار) مستفهمة..
فاتن:

  • كيف حالك يا حبيبتي.. إيه يا (ميار) معقولة مش عارفة صوتي؟! (ميار):
  • والله.. مش عارفة حضرتك ..ممكن لو سمحت تقولي لي حضرتك مين؟! (فاتن):
  • واحدة صاحبتك من زمان..
    (ميار):
  • يا فندم حضرتك هتقولي أنت مين ولا هقفل الخط..
    ( فاتن):
  • معقولة مش فاكرة صاحبتك (فاتن)؟! وبدأت تذكرها بنفسها ،فذكرت لها الحقبة التي عاشتها معها في الطفولة..
    ( ميار):
  • آه مش معقول.. تونة.. ازيك يا بنت وحشتيني موووت، أنت فين وعاملة إيه الدنيا معاكي..

انتهت المكالمة بوعد من (ميار) بأن تزور فاتن في ڤيلتها بناءً على طلبها الحثيث..


رن جرس الباب ففتح الحاج (إبراهيم )والد زوجة (يامن) وظهره مقسوم يتكئ على عصاه، لم يكن يعاني فقط آلام الغضروف، بل ما زاد حالته سوءا هو وصول حالته النفسية إلى أضعف مستوياتها ؛ فلم يكن (يامن) زوج ابنته وفقط، بل كان يحبه كابنه ..

كان الطارق شخصا غريبا رحَّب به وأجلسه في غرفه الصالون..

الضيف:

  • حضرتك ربما لا تعرفني ..
    لم ينتظر ردا منه فبادره:
  • أنا منظم حفل ابنة عم الأستاذ (يامن).. تحفز الحاج (إبراهيم ) وقاطعه بحدة:
  • لو سمحت يا أستاذ أنا لا أريد أن أتذكر أحداث هذا اليوم ..

قاطعه الضيف وعلى وجهه علامات بِشْر:

  • عندي لك مفاجأة كبرى أعتقد أنها ستسعدك، على العموم ،لن أطيل على حضرتك، فبجانب عملي كمنظم للحفلات والفعاليات المختلفة أنا خبير في الأصل في تقنية الفيديوهات، وكل ما يتعلق بإنتاجها ،وقد لاحظت في الفيديو الذي تم بثه في الحفل تلاعبا ما حدث في تصويره وتركيبه ..

قاطعه الرجل وقد اعتدل في جلسته وظهرت عليه علامات الاهتمام ماذا تقصد أتقصد أن …

الضيف:

  • نعم أعني ما فهمت..
    هذا الفيديو مفبرك، الشخص الموجود فيه ليس الأستاذ (يامن) نعم هو كان هناك في المكان، ولا ادري لماذا ،ولكن أكاد أجزم ومن منطلق خبرتي، أنه ليس هو من يمارس الرذيلة ..
    ألا تلاحظ أن وجهه ظهر فقط قبل الممارسة، ولم يظهر أثناءها قط،جسمه ليس بمواصفات جسم الرجل الآخر .. ثم ثم…
    وكأنه تذكَّر شيئا ما هاما فنظر بشغف إلى الحاج (إبراهيم ) وأردف:
    -عم الحاج : هل الأستاذ (يامن) لديه وحمة في أعلى فخذه الأيمن ؟!

استرعى هذا السؤال انتباه الرجل وقبل أن يجيبه ،استوقفه بعد لحظة تفكير خاطفه ،ثم قال:
-ثوانٍ يا ابني وأعود إليك..


خرج الرجل، وقد أنسته الأحداث تعبه فتخلى عن عكازه، أحضر هاتفه وانزوى جانبا، وتحدث بهمس إلى ابنته:

  • وفاء يا بنتي ركِّزي أرجوك (يامن).. هل كانت له وَحْمة كبيرة أعلى فخذه الأيمن؟!
    ردت عليه مندهشة:
  • لا يا بابا (يامن) عنده وحمة صغيرة في… وسكتت محرجة ولكنها أردفت بصوت خفيض- في مؤخرته -لكن لماذا تسأل يا أبي؟!
    لم يرد عليها فقط صدرت منه تنهيدة عميقة شعر بعدها بارتياح شديد وكأنه سمع للتو من طبيبه خبر نجاته من سرطان محتمل.. أغلق الهاتف وعاد سريعا إلى ضيفه، وأخبره بما سمعه.
    -يا ابني (يامن) لا يوجد له وحمة في فخذه الأيمن .. الضيف:
  • إذن أستطيع أن أؤكد لك يا عم الحاج أن الأستاذ (يامن) ليس هو الشخص الذي ارتكب تلك الفضيحة..
  • لكن لماذا كان هناك إذن؟
    سأل هذا السؤال وشفتاه ترتعشان بمزيج من القلق والتوتر والحزن..
    ولمَّا كان على يقين بأنه لن يجد من ضيفه أي إجابة أردف باقتضاب:
  • على العموم يا ابني هذا الأمر سيفسره (يامن) بنفسه..

شكره، وسلم عليه بحرارة وقبل أن ينصرف وعده ضيفه بتقديم تلك الشهادة أمام أي أحد أو أي جهة ثم طلب منه رقم (يامن) لعله يستطيع التواصل معه.


أخبر الحاج(إبراهيم )ابنته بما دار في تلك المقابلة ثم أردف وأنفاسه تتلاحق:

  • لا بد من العثور على (يامن) قبل أن يتسبب في أي أذى لنفسه ..
    قالها الحاج (إبراهيم )وهو ملتاع النفس..
    ردت عليه(وفاء) وهي شاردة الذهن:
  • آه نعم نعم يا أبي..
    ثم شردت بعيدا وغمغمت:
    لكن سي (يامن) كان بيعمل إيه عند ست هانم -الزفتة دي-؟!
    كما أنه كان مريضا منذ شهور ..فمتى شُفٍي؟!!

رن هاتف (فاتن) وكان على الطرف الآخر (ميار) أخبرتها بأنها ستزورها اليوم بعد العشاء ..

بدأت (فاتن) في الاستعداد لتلك الزيارة الهامة، وقد شردت بذهنها بعيدا لسنوات طوال..

(ميار ) طوال حياتها بنت ذوات، وتعيش حياة القصور لم تكن صديقة مباشرة لها، بل تعرفت عليها من خلال صديقة أخرى..
كثيرا ما حذَّر أهل (ميار) من صحبة (فاتن)، لكنها دائما ما كانت تضرب بهذا التحذير عرض الحائط؛ لقد كانت تجد مع (فاتن) كل ما حُرِمَت منه مع أهلها، تجد معها اللعب الحر غير المتحفظ، تجد البساطة والحرية والبعد عن القيود (الأرستقراطية) ..
كانت ترى( سندوتشات الطعمية) في فمها أطعم من( البرجر والجبن الريكفور والجوتا )..
عالمها القشيب المزركش كان يمثل لها قيدا يحجر على طفولتها..

لكنها لم تكن تدري ما يحدث (لفاتن) بسببها، فكثيرا ما أرسلوا لها ولأهلها رسائل تحذيرية، بل وصل الأمر في ذات يوم أن ضربوا أباها ورموه على قارعة الطريق..

لم يكن يهم (فاتن) ما يحدث لأبيها بل كان ذلك يسعدها ويدفعها للعناد والتمسك أكثر (بميار) ربما كان ذلك نابعا من قسوته عليها وبخله المدقع ؛فكراهيتها الشديدة لأبيها ربما كانت تجعلها تشعر باللذة عندما يصاب بأذى بسببها..
ولكنها لم ولن تنسى أبدا ما فعلوه مع أمها المسكينة ، فعندما شعروا بصعوبة تخلِّي ابنتهم عن (فاتن)- بنت الرعاع من وجهة نظرهم- لجأوا إلى حيلة خسيسة، أرسلوا خادمتهم إلى والدة (فاتن) لكي يقنعوها بأن تعمل عندهم في المطبخ، بالطبع لم ترفض، بل وجدتها فرصة عظيمة لتحسين الدخل خاصة عندما عرفت أن المرتب معقول كما وجدتها فرصة للبعد عن قهر زوجها وقسوته..

لم تخبر أحدا بهذا العمل خاصة (فاتن)..
صار العمل طبيعيا للغاية لمدة أسبوع ثم بدأوا في تنفيذ خطتهم الشيطانية..

وضعوا خاتم أم (ميار) في حقيبة يدها، واتهموها بسرقته..
حاولت أن تدفع عن نفسها تلك التهمة الظالمة، لكنهم هددوها بإبلاغ الشرطة وفَضْحها أمام العالمين..
بكت بحرقة، وأقسمت لهم بأنها بريئة،
لكنهم لم يبالوا بها، واستمروا في قهرها حتى انهارت تماما، وعندما شعروا بأنها صارت كقطعة عجين سهلة التشكيل في في أيديهم ، ساوموها على صداقة ابنتها (فاتن) بابنتهم ميار..

لقد جعلوها توقن بأن بُعْد (فاتن) عن (ميار) إلى الأبد هو الحل الوحيد لنجدتها ثم سمحوا لها بالانصراف على أن تُنفِّذ ما طلبوه منها.


انتظرت الأم المقهورة وصول (فاتن) على أحر من الجمر وقد استحال بياض عينيها إلى حمرة الدم ، وبمجرد دخولها إلى البيت انهالت عليها ضربا بكل ما أوتيت من قوة ، و عبثا حاولت دفع الضرب عنها أو حتى معرفة السبب..

خارت قواها وانهارت ، ودخلت في نوبة بكاء حارة قصَّت في أثناءها ما حدث معها من أسرة (ميار) ومع تصاعد انفعالاتها وقعت على الأرض وقد أصيبت بشلل نصفي ظل يلازمها لوقت طويل..


استيقظت فاتن من شرودها الطويل، وقد وجدت نفسها ودون أن تدري تطيح بزهرية ورد كانت قريبة منها على الأرض وأخت تدوس رفاتها بغِلٍّ وغيظ كبيرين..

ثم اعتدلت وهندمت ملابسها، وارتدت وجه (فاتن) الجديد المميز لامرأة مجتمع من الطراز الفريد، واتصلت بأرقى محلات تجهيز الطعام لتعد لها عشاءً فاخرا لتتناوله مع صديقتها …(ميار)..


في تمام الساعة الثامنة مساءً استقبلتها (فاتن) بترحاب مبالغ فيه..

منذ اللحظة الأولى التي تلقَّت فيها (ميار) عنوان الفيلا إلى دخولها واستقبال (فاتن) لها ومطالعاتها لفخامة الأثاث، ورُقي الذوق ونفاسة اللوحات والتحف، وهي تتساءل داخلها مشدوهة:

  • ما هذا كله يا فاتن، ومن أين حصلت عليه؟!
    لكنها طردت تلك التساؤلات، ولو مؤقتا وتعايشت مع الواقع الآني.. جلسا سويا على مائدة العشاء، وتبادلا أحاديث الذكريات، والتي حرصت خلالها (ميار) على مراعاة وضع فاتن الجديد..

بعد انتهاء العشاء تناولا القهوة في (التراس) ..

نظرت (فاتن) بحدة إلى (ميار) وسألتها عن والديها فأجابتها بأسى:

  • بابا وماما تعيشين أنت هما الآن عند ربنا -الله يرحمهم-.

كانت فاتن تعلم ذلك تماما، وإن كانت تتمنى لو أنهما على قيد الحياة لتنتقم لأمها منهما، لكن القدر فوَّت عليها الفرصة..
لمعت عيناها ببريق يقطر كراهية؛ فالفرصة لم تضع بالكلية (فميار) نفسها موجودة وها هي الآن تحت يديها…


شعرت ( ميار) بعد دقائق من تناولها القهوة برغبة شديدة في التقيؤ، دلتها (فاتن) على الحمام، أمضت مدة طويلة نسبيا داخله بعد أن أفرغت كثيرا مما تناولته في تلك الليلة ثم خرجت أخيرا وهي تمسك بطنها في وهن..

تصنَّعت (فاتن) لهفتها عليها وخوفها على صحتها سألتها:
-هل أطلب لك طبيبا؟
لكنها تمنَّعت، فقط طلبت الاستئذان والعودة لبيتها لتستريح..

عرضت (فاتن) عليها توصيلها، لكنها رفضت بحجة أنها صارت الآن أفضل ودعتها (فاتن) على وعد منها برد تلك الزيارة وقالت (لميار) وهي تركب سيارتها، ولا ترى تعبيرات وجهها:

  • مع السلامة يا حبيبتي خذي بالك من طريقك ويا ليتك عندما تصلين إلى البيت بالسلامة أن تطمئنيني عليكِ. (أوكي.. باي)..

غادرت سيارة (ميار) فيلا (فاتن)، وأمسكت الأخيرة هاتفها، وأجرت اتصالا بأحدهم ثم أغلقت الهاتف، وهي تضحك من قلبها بهيستريا مرددة بحقد بالغ وتشفٍّ واضح:

  • ههه مع السلامة يا (ميُّوري)..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى