‎بين الهوية والعولمة …. مقال بقلم و إعداد د.أحمد دبيان

‎تعرف الهوية إصطلاحاً من بأنها: مزيجٌ من الخصائص الاجتماعية والثقافية التي يشترك فيها الأفراد، ويمكنُ على أساسها التمييزُ بين مجموعةٍ وأُخرى. وتُعرَّف أيضًا بأنها: مجموعةُ الانتماءات التي ينتمي إليها الفرد، وتُحدِّد سلوكه، أو إدراكه لنفسه.

‎تتأثَّر الهوية بعواملَ كثيرةٍ خارجة عن سيطرة أصحابها؛ مثل: الجوانب السكَّانية والجغرافية والخصائص الطبيعية والاجتماعية للإنسان؛ كالعِرق، والطبقة الاجتماعية والاقتصادية، والآراء السياسية، والمواقف الأخلاقية، والمعتقدات الدينية.

‎للثقافة والمعرفة الشخصية أهميةٌ في زيادة وعي الفرد بهويته واحترامه لذاته وفهمه لها.

‎دائماً ما تشهد الهوية تحوُّلات دائمة، فهي تتغيَّر وتتطوَّر مع الزمن.
‎فالهوية هي المحصلة و الإطار الذي يُعرف من خلاله الإنسان ذاته وانتماءه.

‎تشمل مكونات الهوية: اللغة، الدين، القيم، التقاليد، التاريخ، والارتباط الجغرافي.
‎فالهوية ليست فقط ما نرثه، بل أيضًا ما نعيد إنتاجه باستمرار وفقًا للزمن
‎والسياق.

‎على الطرف الآخر تقوم العولمة على ترابط العالم اقتصاديًا وثقافيًا وتقنيًا.

‎وبالتأكيد فالعولمة قد فتحت الأبواب أمام التبادل الثقافي والانفتاح على الآخر، لكنها في الوقت ذاته, حملت معها خطر الهيمنة الثقافية،

Cultural Hegemony

‎حيث تسعى الثقافة الأقوى
‎-غالبًا الغربية- إلى فرض أنماطها على الثقافات الأخرى.

‎تبقى الإشكالية الكبرى فى تحديد الهوية لشعب ما مع وجود متغيرات ومدخلات ثقافية ،ولغوية ودينية شكلت مدخلاته ومخرجاته عبر الزمن.

‎في أعماق التاريخ، كانت مصر القديمة – أو “كيميت” كما سماها أبناؤها – مهدًا لحضارة روحية علمية، زرعت بذور الفلسفة، والطب، والفلك، والكِيمِيَّة.

‎ظلت المصرية القديمة مجهولة تماما وخصوصاً بعد سنوات التدهور والانحدار وسقوط مصر القديمة تحت السيطرة والإحتلال إلى أن تم فك رموز اللغة القديمة بعد إكتشاف حجر رشيد على يد العالم الفرنسى شامبليون.

‎على الضفة الأخرى من الزمان، ظهرت في أوروبا جماعة باطنية تُعرف بـ جماعة الصليب الوردي، ادّعت أنها تحمل إرثًا سريًا من الحكمة القديمة. فما العلاقة بين الكيميتية وهذه الجماعة؟ وهل كانت مصر القديمة هي المنبع السري الذي نهل منه الورديون الصليبيون؟

‎الكيميتية المصرية القديمة :

‎كلمة “كيمتية” ذاتها يُعتقد أنها مشتقة من “كيميت

‎وهو الاسم الفرعوني لمصر، والذي يعني “الأرض السوداء” نسبة إلى طمي النيل الخصب.

‎الكيمتيه في مصر القديمة لم تكن علمًا ماديًا فقط، بل طقسًا روحيًا يعكس فلسفة التحول، والتوازن بين القوى الكونية، والتناغم بين الإنسان والإله.

‎   •   رمزية العناصر الأربعة (التراب، الماء، الهواء، النار) ضمن توازن كوني.
   
‎•   الإله تحوت والكتابة .
   
‎•   أوزوريس وإيزيس: رموز للموت والبعث، استخدمت قصتهم كأساس رمزي لعمليات “التحول الروحي”.

‎يرى باحثون كثر أن الحكماء الإغريق مثل فيثاغورس وأفلاطون وأفلوطين تتلمذوا على يد كهنة مصر، ونقلوا معهم تعاليم الكِيمِيَّة الهرمسية إلى الغرب، التي تطورت لاحقًا في كتابات هرمس مثلث العظمة (Hermes Trismegistus)، وهي الشخصية التي تُعتبر الجسر بين الحكمة المصرية والباطنية الغربية.
ظهرت
‎جماعة الصليب الوردي، في أوائل القرن السابع عشر، وأعلنت في “بياناتها الثلاثة” أنها تحمل أسرارًا قديمة عن الطبيعة والكون والروح. وبينما لم تُعلن صراحة أن مصدرها هو مصر القديمة، فإن كل ما في رموزها ومعتقداتها يُشير إلى جذور “كيميتية”:

‎   •   تستند الجماعة إلى تعاليم هرمس مثلث العظمة، وهو شخصية مستلهمة من تحوت المصري.
وهنالك
‎  التحول الروحي عبر الرموز الكيميائية: مثل “تحويل الرصاص إلى ذهب”، وهو في الأصل استعارة مصرية لتحويل النفس من الجهل إلى النور.

‎   •   تستخدم الجماعة الرموز المصرية: مثل الأفعى، العنخ (رمز الحياة)، والهرم، في أدبيات الجماعة.

‎في كل من الكيميتية وجماعة الصليب الوردي، نجد فلسفة موحدة

‎فالموت والبعث
‎تمثله فى المصرية القديمة أسطورة أوزوريس وإيزيس
‎وفى جماعة الصليب الوردى بعث الروح عبر التجربة الباطنية
‎و المعرفة الباطنية محفوظة للكهنة والكتبة فى المصرية القديمة، بينما هو
‎معرفة سرية لا تُمنح إلا للمستحق فى جماعة الصليب الوردى .
‎أما عن التحول الروحي
‎فهو عبر الطقوس والموازنة الداخلية فى المصرية القديمة ، و عبر الرموز الكيميائية والتمرين العقلي عند جماعة الصليب الوردى.

‎ويجمع عدد من المؤرخين الباطنيين على أن جماعة الصليب الوردي لم تكن سوى إعادة إحياء أوروبية لـ”المدرسة الأسرارية” التي ازدهرت في معابد مصر القديمة، خصوصًا في أون (هليوبوليس) وإدفو.
‎لكن مع ذلك، فالمعرفة التي وصلت إلى أوروبا كانت مجزّأة ومشفّرة، وفُسّرت في ضوء الثقافة الغربية، مما أحدث اختلافًا في الشكل وإن بقي الجوهر قريبًا.

‎مما سبق نستطيع أن نخلُص أن اختزال الهوية المصرية فى كيمتية تجاوزها الزمان هى بمثابة غزو جديد لهوية تم تصديرها واستيرادها بعد أن أصبحت لها مدخلات مزج مع القباله التلمودية كمكون أساسى للصليب الوردى تستعير عولمة الغزو لتفرض ثقافتها وتستلب المكون المتفاعل لغوياً ودينياً عبر الزمن.

‎على الطرف الآخر لا يمكن بحال اجتزاء الهوية المصرية فى فرعونية متاحف محدثة ومصدرة ما يفتح المجال لغزو استلابي جديد من جماعات الأفروسينتريك والتى شوهت نظرية شيخ أنتا ديوب
‎الذى كان مؤرِّخاً وفيلسوفاً سنغالياً، وعالِماً موسوعياً تخصَّصَ في التاريخ والأنثروبولوجيا والفيزياء ، والذى كرَّس مشروعه البحثي لدحضِ مزاعم المركزية الأوروبية، من خلال تسليطِ الضوء على إسهامات القارة السوداء في التاريخ الإنساني، والدفاع عن وجودها الحضاري والتاريخي.

‎ليلتف الغازى الغربى على نظريته التى جاءت فى أوج التحرر الإفريقى من الإستعمار والتى أودعها فى كتابه الأصول الزنجية للحضارة المصرية وليعيد تصدير التحريف على صورة غزو إستلابى

Alienation

يفرغ مصر المسيحية الإسلامية العربية من أحقية شعبها الموجود حالياً والذى ثبتت
‎أصول جيناته
‎بنسب تتجاوز السبعون فى المائة.

‎يبقى تحديد مفهوم الهوية دون الإنسلاخ عما مر وشكل عبر الزمن والتاريخ .

‎فإختزال هوية ما فى كيمتية أو أشورية أو أمازيغية فى محاولة للإنسلاخ عن مدخلات أضافت وشكلت وتبلورت كهوية محصلة ، هى بمثابة سلفية ماضوية مستهلكة تفتح الباب على مصراعية لغزو تفكيكى يرسخ لإقليمية التشرذم والتفتت والفناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى