الهوية الروحية لقرية (هرمو بوليس) في صعيد مصر …. بقلم محمود حسن

كلما أردت أن أعود إلى طبيعتي الأولى متفلتاً من كوني آلة صماء مثل الحاسوب أو الهاتف المحمول؛ رأيْتُني أحزم حقائبي متوجها إلى محطة السكة الحديد بشارع رمسيس لأستقل القطار إلى حيث قريتي (هرمو بوليس) في صعيد مصر.
وهي تسمى بهذا الاسم نسبة إلى الإله هرمس إله الحكمة والأدب عند الإغريق.
هناك حيث رائحة البيوت والشوارع والدروب، وهذه الحقول التي يمر الطريق بينها آمنا على نفسه، ذات اليمين وذات الشمال النخيل وأعواد القصب والقمح واللون الأخضر، والترعة التي يفيض الماء على جانبيها، وثمة أطفال عراة يقفزون ويسبحون، وفلاحات يغسلن ثيابهن، وصبية يصطادون الأسماك بصنانير بدائية، أو بأيديهم مباشرة في السدَّة الشتوية، حيث يقل الماء ويكون الصيد أيسر بكثير.
فلاحون هناك في مساحة أخرى ينزلون بالماشية لكي تستحم، الجاموس والبقر سباحون مهرة، في مشهد ما يعتلي صاحب الجاموسة ظهرَها وهي تسبح في الماء، أو يعوم إلى جوارها ليغسل ظهرها ورأسها بقطعة من ليف النخيل، حانيا حنوَّ أمٍّ تغسل جسدَ طفلها.

يختلط الجمال بالقبح، والمعقول باللامعقول، والمنطق واللا منطق، حياة لا تسير على نمط واحد، ولكل شيء نكهته وخصوصيته، وأخطاؤه.

القرية كلها تمضي صباحا في اتجاهات محددة، كأنها جماعات من النحل أو النمل، وتعود مساء عكس هذه الاتجاهات في انتظام تجمِّله الفوضى، الجميع تربطه علاقتان حميميَّتان بالشمس، إحداهما عند الشروق والأخرى عند الغروب.
رائحة الطعمية في كل شارع من شوارع القرية منذ الخامسة صباحا تملأ الأنوف وتفتح الشَّهيَّةَ، الكل يفطر طعاما واحدا من صنفين فقط هما الخبز وأقراص الطعمية، يجلس البائع على قفص من جريد النخيل في الشارع محتفظا بسر الخلطة هذه التي تجذب الزبائن فيتوافدون إليه، حتى إن أعدَّت الأمهات أقراص الطعمية في منازلهن فذلك لا يغني عن طعمية الشارع، فهذا طقس من طقوس القرية، وكذلك أصوات بواجير الجاز المرتفعة كأنها الموسيقى في آذان من يمر بها.

نتسلح بالسيوف التي صنعناها من جريد النخيل، نتحزم بها وقد أعددنا لها أغمادا من أجولة السماد البلاستيكية، أو بقايا الملابس القديمة، نصنع أيضا أشكالا على هيئة النبال التي كانت تستخدم في الحروب القديمة، ورماحاً، ومقاليعَ، ونتحول إلى هيئة الفرسان، كل قسم من أقسام القرية بصِبْيَتِهِ يكوِّن جيشا ليحارب الجيوش الأخرى، كرٌّ وفرٌّ، وساحات للقتال، ومنتصر ومهزوم، كان ذلك في ليالي رمضان بعد صلاة التروايح، خاصة في مناسبة غزوة بدر لية السابع عشر، وفي ذكرى حرب العاشر من رمضان.
لكن الجيوش تتجمع من دون أسلحة قبل آذان المغرب لتلعب الكرة والسيجة والشطرنش والطاولة وغير ذلك في محبة لافتة، تم تجمعنا صلاة المغرب نتناول تمرات في المسجد، لنعود بعدها إلى بيوتنا لنكمل إفطارنا، ومنها للمسجد مرة أخرى لصلاة التراويح.
رائحة طبيخ الفلاحين يوم الخميس، موجات الدخان المتصاعد من كانونات البيوت.
تشييع الجنازات لا كبير ولا صغير يتخلف عنها، لا مسلمين ولا مسيحيين، وقوفنا صفين من أول مدخل القبور إلى مسافات تتعدي الكليو مترين أو أكثر، لتلقي العزاء في الراحلين.
آنية الطعام تتوالى من بيوت القرية لبيت المتوفَّى، فلا شك هم في حال تشغلهم عن إعداد الطعام والشراب.
الأفراح وأيام العرس، الجميع يتسابق ليخدم بعضهم بعضا، هناك النسوة يذوبن الشربات في آنية كبيرة، وأخريات فرغن من طهي الطعام، وهناك من يقدم الطعام، وهذا يرفع الأطباق الفارغة إلى حيث يتم غسلها، وهذا يمسك الإبريق النحاس يصبُّ الماء ليغسل الضيوف أيديهم، وهذا يقدم الصابون، وهذا يحمل البشكير ليجففوا أيديهم.
توافُد الأقارب على بيت العروسين بدءا من الصباحية لتقديم الهدايا والنُّقوط.

الحطب والجبن والسمن واللبن والكشك والكعك يُهديه أهل القرية كل للآخر، يستلفون الأواني والفرش والحمير، منظومة بالغة الجمال يكمل بعضها بعضا.

نفزع إذا لدغ عقرب أو ثعبانٌ أحدنا، يتطوع واحد بحماره ليحمل الملدوغ، ويتطوع آخر ليسنده على الحمار، نجري إلي بيت الجد صليب، الذي يأتي بشفرة حلاقة جديدة لم تستعمل ويشرِّط موضع اللدغة بالشفرة، ثم بفمه يمتص الدم الملوث بالسمَّ ويبصقه، فيعود الملدوغ إلى بيته وكأن شيئا لم يكن.

ترسلنا أمهاتنا إلى الخالات الخبَّازات في شارع البِرج، محمِّلةً إيَّانا سلاما حارا ورجاء أن تحضر الخالةُ الخبَّازةُ فجر يوم كذا فقد أرسلنا القمح والذرة والحنطة إلى الطاحونة ، وقامت الأمهات تساعدهن الجارات بنخل الدقيق وصار جاهزا للخَبْزِ، الخبَّازات يقابلننا بوجه بسيط بشوش ويوصيننا بأن نجهز لهن الغداء ولابد أن يكون لحما أو طيورا، والخالة رشيدة تشترط أن نجهز لها علبة سجائر، والأهم من ذلك كله الشاي الصعيدي الثقيل بالسكر الزيادة لا يجب أن ينقطع ما دام العمل مستمرا من آذان الفجر وحتى آذان المغرب.

بمجرد أن تطأ قدماي تراب القرية أتحول من آلة مبرمجة، إلى روح وجسد من لحم ودم، وأشم رائحة الخبز الساخن وهو خارج لتوه من الفرن البلدي، على الرغم من أن القرية لم تعد تخبز ولم يعد في بيوتها أفران بلدية، ولم تعد فيها خبّاَزات، أصلى الفجر فأرى القرية رجالا ونساء وأطفالا يحملن أقفاصا من جريد النخيل ليقفوا طوابير أمام المخابز كي يحصلوا على حصتهم في بطاقة التموين من الخبز المدعم، هؤلاء الذين لا يزالون يتمتعون برفاهية امتلاك بطاقة التموين ولم تحذفهم الحكومة بعد، أرى الترعة داخلي على حالها، على الرغم من أن منسوب الماء فيها يتناقص كل يوم، ولم يعد يفيض على جانبيها، ولا يستطيع الوصول إلى نهايتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى