” الفتاة التي تسكن الحروف ” …. مقال بقلم سمير إبراهيم زيّان


” الفتاة التي تسكن الحروف ” …. مقال بقلم سمير إبراهيم زيّان

ما بين ” ثم ” و ” لكن “، يختبئ سحرٌ لا يُدرَك إلا حين تهمس اللغة العربية في آذاننا ، وتغازلنا كأنها فتاة ممشوقة القوام ، متألقة الذكاء ، باذخة العبقرية .
لا أبالغ حين أصف اللغة بأنها كائن حيّ ، بل فتاة عربية خجولة حينًا ، جريئة حينًا ، لكنها دومًا فاتنة .
كلما استرسلت في الحديث واحتجت إلى تسلسل الأحداث ، هرعتُ إلى كلمة ” ثمّ “، تلك الحرفية المهذّبة التي تقود القارئ خطوة بخطوة كأنها تمسك بيده وتقول له : ” تعال نُكمل الحكاية….”.
ثم فجأة، تقف على مفترق المعنى ، لتأتي “لكن”، السيدة النبيلة التي لا تكتفي بالسرد ، بل تقلب التوقّع ، وتبني المفارقة ، وتضع العقل أمام سؤال :
ماذا بعد؟ كيف تغير الاتجاه ؟ ولماذا ؟
“ثم” تسرد، و”لكن” تفكّر . بينهما تولد المعاني، وتزدهر الفكرة ، وتُحاك العبارة .
ليست اللغة أدوات نطق فحسب ، بل هي مرآة لفكرنا وخيالنا ، ومسرح لعواطفنا ومخاوفنا .
هي حبيبتنا التي لا تُرى ، لكنها تقيم معنا، وتسكن وجداننا ، وتستيقظ كلما كتبنا أو حكينا أو حتى صمتنا.
أتخيل اللغة العربية فتاةً رائعة الطهر والجمال ، ترتدي عباءة البيان ، وتسير بثقة بين دروب العشق والورع ، بين الحلم والمنطق ، بين الشعر والنثر .
تتلون حيث نشاء ، لكنها لا تفقد هويتها أبدًا . تارةً تكون أميرة الحكايا ، وتارةً راهبة المعنى .
أيّ حالٍ كان سيكون لنا لو لم تُخلق هذه الحروف ؟ أيّ صمتٍ كان سيبتلع أرواحنا لو لم تهبنا اللغة هذا الدفء والدهشة ؟ إنها ليست وسيلة ، بل كيانٌ نعيشه ، نعبده بطريقتنا ، ونراه كما نحب :
فتاةً لا تكبر أبدًا ، ولا تنتهي أبدًا .
في النهاية ، تبقى اللغة العربية أكثر من لسان .
إنها وطنٌ من الحروف ، تسكنه فتاة جميلة ، اسمها…. البيان .
