العكاز … قصة قصيرة بقلم نجوى عبد الجواد


العكاز قصة قصيرة بقلم نجوى عبد الجواد

ثلاثة أرجل تدب قبل أذان الفجر، يد تتكئ على العصا والأخري ضغطت على مفتاح نور المطبخ. لا بأس بإعادة النظام إليه بعد فوضى المساء التى يحدثها أبو الأولاد. بصعوبة تجر قدميها، لافائدة من الشكوى لطبيب أو حبيب؛ أقبلت السبعون من عدة أشهر حاملة معها مبررات أخرى للوجع. الله أكبر، الله أكبر، ينساب الماء من حنفية الحوض بالحمَّام ، بقى غسل القدمين ، لا إمكانية لغسلهما إلا بصب الماء عليهما في مكانهما ، ركنت العكاز ودفعت الماء إلى البلاعة بالممسحة، انهمكت، تحركت بنشاط خلف الماء المنساب بأرضية الحمّام، تعثرت بالشبشب، فشلت في التماسك، هوت على الأرض وسقط معها عكازها، صوت الارتطام عالٍ وصرخة الوجع أعلى، لكنهما لم يجلبا مغيثا!. انشرخ العكاز وطال السقوط على الأرض، استجمعت نفسها وأخذت تسحب ساقيها، الحمدلله لا كسور، تبدو كدمات فقط تطمئن نفسها. زحفت وزحفت حتى لامست البانيو وتشبثت به، ضغطت بيديها، آهات معلنة كلما حاولت الوقوف، وفي النهاية انتصرت إرادتها. أمسكت بالعكاز، يبدو قليل الفائدة، تستعين بالحائط ومنه إلى باب الحمّام، تستند على رخامة المطبخ المفتوح إلى ترابيزة الصالة ومنها إلى باب حجرتها حيث استلقت على سريرها.
تقاوم الدموع بالحمد، ساقاها مفرودتان، لاتدري كيف تسكن نباح الألم فيهما، ربما النوم يخفف، ومن أين يأتي؟! العينان اللتان سرقتا الإغماض عادتا لتحملقا في السقف. جميل سقف الحجرة المزخرف، ذوق ابنها، لم تقل لا برغم الكلفة العالية. صوت أقدام تأتيها من السقف، استيقظ أخيرا، ربما أزعجته بسقطتها التى تكررت! الصوت قادم من السلم المؤدي للدور الثاني، يشتد الألم، تكتم صيحتها، تسمع صوت باب الثلاجة ، رائحة القهوة تدخل عليها حجرتها، تحاول الجلوس علّ الألم يهدأ قليلا، صوت الأطباق في الحوض، من باب الحجرة إلى العكاز المشروخ تحط عيناها، صوت رنة؛ تبحث عن هاتفها، قد تكون رنة إنقاذ لها من الألم، تمسك بالهاتف، نسيت أنه صوت رنة منبه الهاتف، تلقى به بجوارها، تعود و تستعرض الأسماء المسجلة ثم تغلق الهاتف وتتمدد مرة أخرى. عيناها لأعلى، جميلة نقوش السقف، كل نقش سبقته ليالٍ من التعب والكفاح. تحب الأصفر، لون حجرتها الذى اختارته، يذكِّرها بالشمس، لون موحد للحوائط وللعمود، كانوا ينعتونها بعمود البيت، تبتسم؛ كم حسدوه عليها وعلى تفوق الأبناء ، تختفي الابتسامة، لم ير في هذا العمود إلا قسوته! حتى أولادنا عاشوا بعيونه! . تعطي العمود ظهرها، بصعوبة تحرك ساقيها، تضع قدميها على الأرض، ابتسامة ساخرة، تعالوا؛ لتروا هذا العمود وهو يتسند. على الدولاب فالحائط، تفتح باب الحجرة، تلفاز الصالة ترك مفتوحا، الشيخ يتحدث عن الفرق بين المودة والرحمة ، تستند على التلفاز، تنتهي الرحلة إلى باب الثلاجة، كمية لابأس بها من المسكنات تلقى بها في جوفها وتزيحها بالماء، تعيد النظام للمطبخ سريعا، النظام هو سبب ماهي فيه الآن! تضرب بعينيها إلى أن تجدها، عصا المكنسة، تمسك بها، لا تشغل بالها بالسلم المؤدي لأعلى، تعود رحلتها الأولى إلى حجرتها، تتمدد محملقة في السقف وقد عزمت على شراء عكاز جديد حينما تتحسن.


