الانبهار الأوّل: وَهْمُ البداياتِ وكَسْرُ النهايات ….مقال بقلمنزار الحاج علي

الانبهارُ الأولُ هو ذاك البياضُ الناصعُ الذي يخفي عُقَدَ الخشبِ بداخله. نُبهرُ بالسطحِ اللامع، لا بالشقوقِ التي ستتوسعُ يومًا ما لتنكسر.
وهذا الانبهارُ بالذاتِ هو ما يعمينا عن #الحقيقةِ_القاسية: أن انكسارَها كان محتومًا منذُ تلك اللحظةِ الأولى التي رأيناها فيها كاملةً.

فنحنُ لا ننظرُ إلى الشيءِ في حقيقتهِ المجردة، بل ننظرُ إليه عبرَ مرآةِ توقعاتنا.
ننظرُ إلى الخشبِ على أنه #حصانٌ أبيض امتطيناه في طفولتنا، لا على أنه شجرةٌ مقطوعةٌ تحلمُ بشكلها القديم. نحبُّ الفكرةَ لا المادةَ، وننبهرُ بالبياضِ لأنه يخفي لونَ الجذورِ المتسخةِ بالتراب. المشكلةُ الحقيقيةُ ليست في هشاشةِ الخشب، بل في أننا نرى النهايةَ منذ البداية، دون أن نعترفَ بذلك.

لكن، أليس في هذا #الوهمِ جمالٌ ما؟ بل أليس ضرورةً؟

ربما يتوجبُ علينا أن ننظر إليه على أنه “معجزةُ الانبهار الأول”، لا مشكلته. فلو أننا رأينا الخشبَ منذ البداية، لما انبهرنا ببياضه. ولو أننا عرفنا #هشاشته، لما تألمنا عند كسره. إن هذا #الجمالَ المؤقت، هذا الوهمُ الضروري، هو ما منحنا تلك اللحظةَ النادرةَ من الإيمان بشيءٍ نقيٍّ وكامل، حتى لو كان مصيرُه محكومًا بالكسر.

فهل كانَ الانكسارُ إخفاقًا؟ أم كانَ تحقيقًا لمصيرٍ كان لا بدَّ منه؟

نعلم أن اللوحةَ ماهي إلا ألوانٌ على قماش، لكننا نسمحُ لأنفسنا بالغرق في عوالمها. ندرك أن القصيدةَ لن تُغيّرَ الواقع، لكننا نقرؤها كأنها تعويذةُ خلاص.

ربما يكونُ الانبهارُ الأولُ هو أقربُ تجربةٍ للإيمانِ الذي يسبقُ المعرفة. هو الشرارةُ التي تُضيءُ لثانيةٍ واحدةً فقط، لكنها تمنحنا سببًا لنستمرَّ في السيرِ في الظلام.

بهذه الطريقة نرى أنّ الانكسارُ ليسَ نهايةَ الجمال، بل هو كشفٌ لجوهرهِ الحقيقي. وهو بدايةُ فهمٍ جديد.
و أنّ #النقاءَ ليس لونًا، و #الإيمانَ ليسَ وهْمًا، والجمالَ ليسَ متانة.

بل هو اللحظةُ التي نرى فيها الشيءَ كما هو، فنحبّه ليس لأنه أبيض، بل لأنه انكسرَ وأظهرَ لنا أنقى ما فيه: إنسانيته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى