الاختيار بين الحب و الإرادة …. مقال بقلم/ مدحت صلاح


الاختيار بين الحب و الإرادة …. مقال بقلم/ مدحت صلاح

مَن مِنَّا يَختارُ مَن يُحب؟ ومَن مِنَّا يَختارُ ما يُريد؟!
إنَّنا في أحيانٍ كثيرةٍ نَفقدُ إرادتَنا، رغم أنَّها في أيدينا!
تُغرينا أشياءٌ عَن أشياءٍ، وتَجذبنا أشياءٌ مِن أشياءٍ،
ونَفقدُ أمامَ هذا كُلِّه قُدرتَنا على الاختيارِ!!
وخُلاصةُ التَّجارِبِ كلِّها في الحُبِّ: أنَّك لا تُحِبُّ حينَ تَختار، ولا تَختارُ حينَ تُحِب، وأنَّنا مع القضاءِ والقَدَرِ حين نُولَد، وحين نُحِب، وحين نَموت.
صَدقَ “درويش” حين قال:
(ليسَ لنا في الحنينِ يد، وفي البُعدِ كانَ لنا ألفُ يد).
نَعم، الحنينُ يأتي مِن القلبِ، والقلبُ ليسَ لنا عليه سلطان،
أمَّا قرارُ القُربِ أو البُعدِ، فيأتي مِن العقلِ والإرادةِ الحُرَّةِ الَّتي مَيَّزَ اللهُ بها الثَّقَلَيْنِ (الإنسَ والجنَّ)، وبسببِ هذه الإرادةِ يأتي الثَّوابُ ويحق العِقاب.
قد يَظنُّ البعضُ أنَّ البُعدَ فُرضَ علينا، وليسَ بأيدينا.
حقًّا، قد يُفرضُ في بعضِ الأحوال، ولكنَّهُ يَبقى أيضًا خيارًا بأيدينا؛ فقد نَختارُ السيِّئَ لنتجنَّبَ الأسوأ، وقد نُضحِّي بما نُحِبُّ لأجلِ مَن نُحِبُّ _ مع الأخذِ في الاعتبارِ الفارقِ بين “ما” و”مَن”، فالأُولى للأشياء، بينما الثانيةُ للأشخاص _ وعليه، فمن الظُّلمِ أن نُضحِّيَ بمَن نُحبُّ لأجلِ مَن نُحب.
وهو ما يُمكنُنا أن نُطلقَ عليه: (ظروفٌ خارجةٌ عَن الإرادة)،
فهُناكَ ما نَحنُ مُسيَّرون فيهِ، ليسَ بأيدينا، وهُناكَ ما نَحنُ مُخيَّرون فيهِ، وهو بأيدينا واختيارُنا، مهما بدا غير ذلك.
وقد يقولُ البعضُ: هو قَدَر ومَكتوب، ولكن؛ ما أدرَاكَ أنَّهُ كُتِبَ عليك؟! وليس كُل ما كُتبَ أنت مسير فيه،
نعم، كَتَبَهُ اللهُ مُسبقًا؛ لأنَّهُ يَعلمُ أنَّكَ سوفَ تَفعله، ولكن لمْ يَفرضْهُ عليك!.. دائمًا لك إرادتُكَ الحُرَّة، وعليكَ الاختيار، ولذلك وُجِبَ الحساب.

- القلبُ لهُ أحكام
وهُناك دائمًا أحكامٌ تَبقى طويلًا في القلبِ قبلَ النُّطقِ بالحُكم،
لأنَّ عدالةَ الحُبِّ أحيانًا تَنظرُ إلى الأشياءِ بعَينٍ واحدة؛ فتُسكِنُ بأحكامِها أُناسًا في نارٍ مُحرقةٍ رغم استحقاقِهم الجنَّة، وتُسكِنُ أُناسًا آخرين القلبَ رغمَ أنَّ مكانَهم تحتَ الأقدام!..
وبذلكَ تُجحَدُ حقوقُ أشخاصٍ يستحقُّون نظرةَ عدل، فنُصدِرُ أحكامًا ظالمة،
وهي في الأساسِ أحكامٌ مُسبقة؛ يكونُ الحُكمُ فيها أشبهَ بالنِّهائي، لا استئنافَ فيه ولا طَعن،
حتى لو كانَ المُحِبُّ لهُ حقُّ الادِّعاء المدنيِّ الذي لا يَسقُطُ بالتَّقادُم!
وعليه:
إذا ما أصدرَ القلبُ حُكمًا، فلا يستطيعُ العقلُ الطَّعنَ على هذا الحُكم.
أمَّا إذا أصدرَ العقلُ حُكمًا، جازَ للقلبِ استئنافُ هذا الحُكم، وغالبًا ما يَربحُ القضيَّة!
ومِن هُنا أتَت أخطاءُ البشر.
كارثةٌ أن يجتمعَ عقلٌ ناضج، وقلبٌ نابض، في جسدٍ واحد!
إذا وقعتَ في خيارٍ ما بينَ القلبِ والعقل، افعَلْ أوّلًا ما يُمليهِ عليكَ الواجبُ والضمير، ولا تنس مكارم الأخلاق. ثمَّ اختَر؛ حتى إذا أسأتَ الاختيارَ، لا تكونُ خسارتُك مُضاعفة،
لأنَّهُ – وغالبًا – في الحالين: أنتَ خاسر!
نُقطةٌ أخيرةٌ فقط، يجبُ أن نضعَها في الحُسبان:
كما أنَّ القلبَ ليسَ هو بالتأكيدِ مخزنَ العواطف، وإنَّما يَقتصِرُ دورُه على ضخِّ الدم،
كذلك العقلُ الَّذي يُصدِرُ الإشاراتِ لجميعِ أجزاءِ الجسد كي تعملَ وتتحرَّك؛ هو أيضًا ليسَ مَخزنَ طاقةٍ أو مَصنعًا لتوليدِ الإشاراتِ الكهربيَّة، فمِن أينَ أتَت؟!
بالتأكيد: إنَّها الرُّوح.
المُحرِّكُ الأساسيُّ لكلِّ وظائفِ الجسد البَدنيّة والنفسية على حدٍّ سواء.
وكما جاءَ في الحديثِ الشريف:
{الأرواحُ جنودٌ مُجنَّدة، ما تَعارفَ منها ائتلف، وما تناكرَ منها اختلف}.
… وللرُّوحِ حساباتٌ أُخرى.
