(إستاتيكا) …قصة قصيرة بقلم سيد الحصري

قلّبَ في ورقةِ الأسئلةِ فلمْ يجدْ حلًا للسؤالِ الأولِ إلا فى الجزئيةِ الثالثةِ،أما السؤالُ الثاني عَرَفَ إجابةَ جزئيتنِ منه،والثالثُ أرجأَ التفكيرَ في كلِ جزئياتِهِ،والرابعُ صُدِمَ عندما لم يعرفْ منهُ أيةَ إجابةٍ على الإطلاقِ. هو لا يدري كيفَ حدثَ هذا معهُ،وهو المولعُ ب(الإستاتيكا) وفنونها،المُبحِرُ في فِكَرِها،المتمكنُ من أدواتِها،إنّه يومٌ غريبٌ حقًا؛فقدْ جاء متأخرًا عن موعدِ الامتحانِ عشرَ دقائقَ بالرغمِ من نزولِه من البيتِ مبكرًا عن الأيامِ السابقة،لكنّ الطريقَ كانت مزدحمةً،حتى أنّه نزلَ من الحافلةِ قبلَ مكانِ اللجنةِ بمحطتين،وسارَ على أقدامهِ يسابقُ الخُطَا والزمنِ. ماذا يقولُ لأبيه؟! و قد وعدَه بالالتحاقِ بكليةِ الهندسةِ،وهو لم يبخلْ عليه قط بجهدٍ أومتابعةٍ أو مالٍ،وكان رفيقًا به -مع ذلك لن يتنازلَ عن تحقيقِ حلمه أبدًا- عطوفًاعليهّ،ملتمسًا الأعذارَ.

وفي ذاتِ ليلةٍ وجدَ نفسَه قلقًا،مضطربًا،لا يُحسنُ التركيزَ في المذاكرةِ بسببِ (الفيزياءِ) الكهربيةِ وبعضِ الإشكالياتِ البلاغيةِوالنحوية ،وبعض التعثرِ والتعدزِ في مسائلِ التفاضلِ ، فنهرَه أبوه بشدةٍ وأمرَه أمرًا مباشرًا واجبَ التنفيذِ أن يتركَ المذاكرةَ تمامًا ويتوجهَ الآنَ معَ بعضِ الأصدقاءِ المقربينَ من بني جلدتهِ إلى السينما الساعةَ العاشرةَ ليلًا،ثم يلعبَ كرةَ القدمِ معشوقتَهِ حتى الفجرِ،ثم يعودَ فيستحمَّ،وينامَ بعمقٍ واسترخاءٍ.

ولم يكنْ يصدقُ ذلك؛فقدْ كانَ لأبيهِ طريقةٌ محيرةٌ في حديثِه تعجزُ عن تحديدِ أهو جادٌ أم هازلٌ فيما يقولُ؟ لكنَّهُ وجدَه صارمًا في أوامرِه عندما دسَّ يدَه في جيبهِ وأخرجَ مبلغًا كبيرًا من المالِ يفي بكلِّ هذهِ الأغراضِ ،بلْ يفيضُ،وبالفعلِ نَفّذَ ما طلبَ منهُ بالحرفِ الواحدِ،والشيءُ العجيبُ أنّهُ عندما استيقظَ من نومهِ في اليومِ التالي كانَ في كاملِ طاقتهِ و تركيزهِ،واجتازَ كلَّ عسيرٍ،وتجاوزَ كلّ الصعوباتِ. فكيفَ يَخذلُهُ الآنَ، ويغتالُ حلمهُ وحلمَ أمهِ وأمنيةَ حياته؟سيحاولُ بشتى الطرقِ،لكنّ الأمرَ يزدادُ صعوبةً بهذينِ الملاحظينِ الغريبينِ ،فأحدهما رجلٌ يرتدي نظارةً شديدةَ السوادِ يشبهُ فؤادَ المهندس في فيلم (مستر إكس) لاتدري إلى منْ ينظرُ وقميصُه متعددُ الألوانِ غريبُ الهيئةِ، وبنطالهُ ضيقٌ بشكلِ ملفتٍ للنظرِ،وحذاؤهُ فاقعٌ لونهُ؛فقد كانَ أحمرَ، أما الملاحظُ الثاني فقد استسلمَ للنومِ فجلسَ مطمئنَ النفسِ،مستريحَ البالِ في آخرِ الفصلِ، وقد أصدرَ نغماتٍ عاليةً متساويةَ القسماتِ كأنما يعزفُ سيمفونيةً في (الأوبرا). استغلَّ زميلُه الذي بجوارهِ هذا الموقفَ وظلَّ يلاحقُه بأسئلتِه التي لا تنتهي كعادتهِ متوهمًا أنّه يعرفُ كلَّ الإجاباتِ؛فقد كانَ معَه في درسِ الرياضياتِ،وسمعَ بأمِّ أذنهِ ثناءَ المعلمِ عليه وهو يجيبُ المسائلَ في أنةٍ ويسرٍ،وكان لايدعوه إلا بالمهندس. صمتتْ الفِكَرُ في رأسهِ لحظاتٍ،وذهب إلى ورقةِ الأسئلةِ مرةً أخرى،يافرجَ اللهِ! عرفَ الحلولَ كلها،وتفتقت كل الإجابات في سهولة ويسر، طفق يتتبعُ خُطواتِ الحلِّ بالقلمِ الرصاصِ في المُسَوَّدَةِ

انتهى من السؤالِ الأولِ ببراعة،ثمَّ الثاني،ثمَّ الثالث بجميعِ جزيياتهِ،الحمدُ للهِ سيبدأُ في الرابعِ وكلُّ الإجاباتِ في رأسه واضحةٌ جليةٌ.

وهو في قمةِ النشوةِ والمزاجِ العالي كعادتهِ عندما يكونُ واثقًا مما يقدمُه من حلولٍ إذا بالملاحظِ النائمِ قد استفاقَ فجأةً من سباتهِ العميقِ قائلًا بصوتٍ أجشَّ غَليظٍ ممتدٍ:باقٍ من الزمنِ عشرُ دقائقَ……

عشرُ دقائقَ فقط أنَّى لي أَنْ أنقلَ الإجاباتِ بالقلمِ الجافِ في صفحاتِ الإجابةِ؟!وكيفَ أجيبُ عن السؤالِ الرابعِ؟!
ياربي،ماذا أفعلُ؟ ماذا أفعل؟

وَخَزَتْهُ زوجتهُ بشدةٍ،فقامَ مفزوعًا على صوتِها: المنبه دقّ أكثرَ من عشرِ مراتِ ومراقبُ المشروعِ طلبَك على الهاتفِ كثيرًا وكتبَ لك قمْ يا باشمهندس أرجوك عندَنا اليومَ صَبَّة

أخرجَ مِحفظتهِ ونظرَ إلى هُويتِهِ وجدَ في خانةِ المهنةِ مهندس مدني بالخارجِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى