اليوم العالمي للغة العربية ….مقال بقلم/ مدحت صلاح


ما بينَ سِحرِ المساءِ وهدوءِ الصمتِ عن الكلام، يكونُ اللقاءُ. أرتشفُ قهوتي رويدًا.. رويدًا، فتزدحمُ في رأسي ملايينُ الأفكار، أبعثرُ أوراقي، وألملمُ أشلائي؛ فتتطايرُ أفكاري حُروفًا وكلماتٍ.
أُمسكُ قلمي، نعم، قلمي وأوراقي كما قرأتموها، لا تتعجبوا؛ فأنا ما زلتُ أتبِعُ المدرسةَ القديمةَ عند الكتابة، فلا يمكنني نزفُ أفكاري إلا على الورق، كما لا يمكنني القراءةُ إلا مِن الورق، عندما تُداعبُ رائحته الذكيةُ أنفي، وتَتلمَّسُ أناملي نُعومةَ صفحاته.

وعندما هممتُ بالكتابة، كانت الأفكارُ قد تَطايرتْ كما ذكرتُ سابقًا، ولم أعرِفْ ماذا أُخطُّ على صدرِ تلك الصفحةِ البيضاءِ التي كنتُ أشعرُ أنها في مساحةِ المحيط.
وفجأةً تذكرتُ موعدَ اقترابِ اليومِ العالميِّ للُّغةِ العربيةِ في الثامنِ عشرَ من ديسمبرَ من كلِّ عامٍ.
إذًا، فقد حُلَّتْ مشكلتي، ولأكتبْ عنها، تلك المعشوقةِ لُغةِ الضاد.
ها أنا أذكُرُ أميرَ الشعراء أحمدَ شوقي حين قال:
“الذي ملأ اللُغاتِ محاسنًا .. جعل الجمالَ وسرَّه في الضادِ.”

ولكن هيهات! ماذا أكتبُ بعد كلِّ ما خُطَّ عنها على مدارِ قرونٍ طويلةٍ من تاريخِها وولادتِها على يدِ يعربَ بنِ قحطان، الشخصيةِ الأسطورية، وهو من نسل سلالةِ سامِ بنِ نوحٍ التي تُنسَبُ إليها نشأةُ اللغةِ العربية؟
وِفقًا للروايات، فهو أوَّلُ من تكلَّمَ باللغةِ العربية ونظَّمها، حتى إنَّ بعضَ العلماءِ يرونَ أنَّ كلمةَ “عَرَب” مُشتقَّةٌ من الفعل “يُعْرِب” بمعنى “يُفصِحُ في الحديث”.
أم تُراني أكتبُ عن:
العربِ المُستعرِبة؟! ويَنسبُ بعضُهم أوَّلَ من تكلَّمَ بالعربيةِ الخالصةِ، التي نزلَ بها القرآنُ، إلى نبيِّ اللهِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ، الذي تعلَّمَها من القبائلِ القحطانيةِ المُجاوِرة.

أمْ أُخبركم عَن أبو الأسود الدؤلي وهو أولُ مَن وضع التشكيل بالحركاتِ على المُصحفِ لتجنب اللحن في قراءةِ القُرآن، بينما نصر بن عاصم الليثي هو أولُ مَن وضع النقاطَ على الحروفِ، أمْ عَن سيبويه وانجازاته في عِلمِ النحو، أو أُحدثكم عُن الفراهيدي في علمِ العروض أو عَن الجاحظ ونقده الأدبي.

لا.. لا.. كلُّ هذا بالتأكيد كُتِبَ من قبلُ وقُتِلَ فحصًا وتمحيصًا، ويمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يقرأَه في كتابٍ كاملٍ، بل عِدَّةِ كُتبٍ، أو — وهو الأسهل — أن يبحثَ عنه على الإنترنت، كعادةِ الكثيرين بعدَ الثورةِ الرقمية.
إذًا، لأكتبْ عَن الاحتفالِ باليومِ نفسِه؛ الثامنِ عشرَ من ديسمبرَ، وهو اليومُ الذي أصدرتْ فيه الجمعيةُ العامةُ للأممِ المتحدةِ عامَ ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثةٍ وسبعينَ قرارَها بإدخالِ اللُغةِ العربيةِ ضمن اللُغاتِ الرسميةِ ولُغاتِ العملِ في الأممِ المتحدة.
وقد احتلَّت المرتبةَ الخامسةَ من بين ستِّ لُغاتٍ، حيث يبلغُ عددُ الناطقينَ بالعربيةِ نحوَ أربعمئةٍ وخمسينَ مليونَ شخصٍ، كما يستخدمُها حوالي ملياري مسلمٍ لأداءِ صلواتهم وشعائرِهم.

لا.. مهلًا! ها أنا قد عدتُ مرةً أخرى إلى الاسترسالِ المُكرَّر عَن غير قصد، آسفٌ وأعتذرُ لكم.

أكتبُ إذًا عَن عصرِ النهضةِ العربيةِ في الآدابِ والعِلوم والفنونِ، عن ابنِ رشدٍ، وابن خلدون، وابنِ الهيثم، وجابرِ بنِ حيان، وابنِ النفيس، وغيرِهم الكثيرِ والكثير.
حتى إنه في الغرب، كان من أرادَ أن ينهلَ من علومِ كلِّ هؤلاء، كان عليه أولًا أن يتعلَّمَ اللُغةَ العربية.
ولكنَّ هذا موضوعٌ يطولُ شرحُه كثيرًا، ولا يتَّسِعُ له المجالُ.

أتوقّفُ وأتساءلُ: كيفَ لا أعرِفُ أن أكتبَ عنِ اللُّغةِ العربيّةِ، وهي لُغتي ومعشوقتي؟! وبرغمِ مئاتِ الكُتبِ التي قرأتُها طيلةَ حياتي والتي لو وقفت عليها لصعدت إلى القمر، وبرغمِ مئاتٍ من دواوينِ الشِّعرِ التي قرأتُها، وآلافِ الأبياتِ التي حفظتُها وتكادُ تبني مُدنًا بأكملِها. وكم سهرت ليلُا تًحملني أمواج الإذاعة تارة مع برنامج لُغتنا الجميلة، وتارة أخري مع قطوف الأدب من كلام العرب وأخرى مع زيارة لمكتبة فلان.

حقًا لَسّت بخيرٍ هذا المساء، أين هي بنات أفكاري، لا بُد انهن سرحن ليلًا والليل غير مأمون العواقب، وقلمي بات يُعاندني مُثاقب، أين هو شيطانُ الإلهام الذي أمسى يُشاكِسَني وهو سَاقِبْ.!؟ تُرى أسلِك “سقر” يُعاقب؛ أم تَظنُّه في صحراءِ “عبقر” يَقبعُ يُراقب؛ أم تراه بلسانِ تُجار الحُروفِ صار.. يُخاطب ؟!

ولكن؛ ها أنا أخيرًا تذكَّرتُ موقفًا طريفًا، وإنْ كان لم يبرحْ ذاكرتي أبدًا على مدارِ سنواتٍ طويلةٍ، حينما تحدَّانا مُعلِّمُ اللغةِ العربيةِ في المرحلةِ الثانويةِ أن نُعربَ الجملةَ:
(كان فعلٌ ماضٍ).
حاول البعضُ إعرابَها على النحوِ الصحيح:
{- كانَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على الفتح.

  • فعلٌ: اسمُ كانَ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمّةُ الظاهرةُ على آخرِه.
  • ماضٍ: نعتٌ (صفةٌ) لـ«فعلٍ»، مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمّةُ المُقدَّرةُ على الياءِ المحذوفةِ للتخفيف.}

لكن؛ كانت المُفاجأةُ أنَّ الجميعَ فشِلوا، وتعجَّبنا، فهذا صحيح! وتعجَّبنا أكثر بعدَما أعربَها المُعلِّمُ على النحوِ التالي:
{- كانُ: مُبتدأٌ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمّةُ المُقدَّرةُ على آخرِه، منعَ من ظهورِها اشتغالُ المحلِّ بحركةِ الحكاية (لأنَّ الكلمةَ محكيّةٌ كما هي، لا يُراد معناها).

  • فعلٌ: خبرٌ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمّةُ الظاهرةُ.
  • ماضٍ: نعتٌ لـ«فعلٍ»، مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمّةُ المُقدَّرةُ على الياءِ المحذوفةِ للتخفيف.}

وعندها لم نفهمْ، وتعجَّبنا مرةً أُخرى مُحدِّقين الأعينَ، فاغرين الأفواهَ!

ولكنَّ سؤالَ المُعلِّمِ كان عبارةً عن أحجيةٍ لغويّةٍ، بعد أن أوضحَ قائلًا:
في هذه الحالةِ، من الناحيةِ النحويّةِ، يمكنُ أن تُعربَ «كان» مُبتدأً مرفوعًا، في حالِ لم تُستعمَلْ للدلالةِ على معناها الفعليّ (أي لم تُؤدِّ معنى الفعلِ الماضي الناقص)، بل استُعمِلت بوصفِها كلمةً يُتحدَّث عنها — أي في بابِ الحكايةِ أو التسمية.

ويجوزُ إعرابُها مُبتدأً مرفوعًا على الحكايةِ متى كان المقصودُ هو الكلمةَ نفسَها لا معناها الفعليّ.
والجملةُ (كان فعلٌ ماضٍ) تُصبِحُ جملةً اسميّةً لا فعليّةً.
فنحن هنا لا نقولُ إنَّ «كان» فعلٌ ماضٍ بمعناه، بل نتحدَّث عن الكلمةِ “كان” نفسِها، وكأننا نقولُ:
كلمةُ «كان» فعلٌ ماضٍ. فحُذِفت كلمةُ «كلمة» لدلالةِ السياقِ عليها، فصار التقديرُ:
(كانُ فعلٌ ماضٍ).

عندها لم أكُنْ أتخيَّلُ أن يُصبحَ «فعلٌ» خبرًا! لكن هكذا هي الحياة، تُصبحُ كلُّ أفعالِنا في خبرِ كان، إلّا الفعلَ الصالحَ فهو الباقي.
فهُناك مَن يشغلُ محلًّا تتغيّرُ لأجلِه كلُّ القواعد، مُتأثِّرةً بحركةِ الحكاية.

وأخيرًا، أختتمُ بكلمةِ عميدِ الأدبِ العربيِّ الدكتور طه حسين:
“لُغتُنا العربيةُ يُسرٌ لا عُسرٌ، ونحن نملكُها كما كان القدماءُ يملكونَها، ولنا أن نُضيفَ إليها ما نحتاجُ إليه في العصرِ الحديث.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى