مقعد العابرين بين الحضور والغياب ….نص بقلم سمير إبراهيم زيّان


مقعد العابرين بين الحضور والغياب ….نص بقلم سمير إبراهيم زيّان

في قاعة انتظارٍ مكتظةٍ بالوجوه والضجيج ، جلستُ أراقب الشاشات التي تتبدل عليها مواعيد الرحلات كما تتبدل أوهام البشر . حقيبتي عند قدمي فارغة من كل شيء إلا من بعض أوراقٍ مهترئة : فواتير قديمة ، رسائل لم تُرسل ، وحلم مؤجَّل لا يجد مكانه .
جاءت وجلست قربي ، بملامح امرأةٍ عابرة ، لكنها لم تكن عابرة فحسب . كان في عينيها غيابٌ يشبه الغرق ، وفي صوتها انكسارٌ يشبه سؤالاً بلا جواب. قالت لي :
” هذا المقعد لي ، أليس كذلك ؟”
ابتسمتُ وقلت :
” المقاعد ملكٌ للغربة … لا أحد يملكها. اجلسي، فالرحلة لم تُعلن بعد .”
وضعت حقيبتها الصغيرة جانبًا ، لم يكن فيها شيء سوى قارورة ماءٍ ودواءٍ لأرقٍ مزمن . ثم تمتمت :
” كل مكانٍ أجلس فيه يعيدني إلى خوفي … كأنني ظلٌّ لا يعرف جسده .”
أدركتُ أنني أمام صورةٍ حيّة للعدم ، ليس العدم الفلسفي الغامض ، بل العدم الذي يسكن تفاصيل حياتنا اليومية : الشعور بأننا نعمل ولا نثمر، نعيش ولا نحيا ، نصرخ ولا يسمعنا أحد . قلت لها :
” نحن نعيش في زمنٍ يسرق وجودنا قطعةً قطعة … الوحدة ليست خيارًا ، بل نتيجةٌ طبيعية لعالمٍ يقايض أرواحنا بالشاشات والمال والضجيج . ومع ذلك ، في الوحدة نكتشف أنفسنا بلا أقنعة .”
رفعت رأسها إليّ ، وقالت :
” ومن أنت وسط هذا الصخب ؟”
أجبتها :
” أنا الوجود حين يصرّ على البقاء . أحمل في حقيبتي أشلاء أحلامٍ محروقة ، لكني أرفض أن أُطفئ آخر شمعة . أكتب في الهامش حتى لو مُزِّق المتن . أصرخ في الفضاء حتى لو لم يسمعني أحد .”
ابتسمتْ بمرارة :
“وأنا العدم … أعيش بين الوجوه ولا أرى وجهي ، أحمل دمعةً أؤجلها كل ليلة ، لأني أعلم أن البكاء صار ترفًا لا يحتمله زمنٌ كهذا .”
سكتنا . لم يعد الصمت بيننا فراغًا، بل امتلاءً . لقد شعرتُ في تلك اللحظة أن الحوار بيننا هو صورة الواقع كله : عالمٌ يتأرجح بين وجودٍ يُكافح ليبقى، وعدمٍ يتربص ليبتلع .
فكرتُ أن قصتنا نحن البشر اليوم ليست إلا مقعدًا في قاعة انتظارٍ كبيرة اسمها الحياة : نأتي محمّلين بأحلامٍ بسيطة ، نصطدم بغيابٍ لا يُطاق ، ثم نحاول أن نصنع من الصمت قصيدةً لا تُمحى .
وهكذا فهمت : لسنا سوى عابرين بين حضورٍ يتنفس وغيابٍ يتربص ، لكن ما يُبقي المعنى حيًّا هو أن نترك أثرًا ، ولو كان كلمة .


