هل يعود القطار؟ …قصة قصيرة بقلم محمد شداد


في المدينة التي تتنفس عطر الحياة، وتبتسم للشروق والغروب… وهمسات المساء.
بكل صدق كانت أماسيّ تزهو بتبرج القمر ونسائم البحر… خلال حياتي بها، المفعمة بعشق الموروث من أشعار قيس بن الملوح وكثير عزة… ودفاتر إدغار آلن بو وفينور.
على أنغام أفراح مهرجان الثقافة السنوي، كان معرض المرأة للتراث، التقينا صدفةً، تعارفنا، لا زلت أذكر يومها، كنا قد فرغنا من الامتحانات، للانتقال إلى المرحلة الثانوية العليا، الجميع يحتضن المذياع كساعي بريد يحمل برقية لا نعرف محتواها، الصبر والقلق تنازعا فينا لحظات الانتظار، كنت متلهفًا لسماع النبأ السار لنا، وقد نجحنا كلانا. لكن
الألم يعتصرني، في مدينتنا لا توجد مدرسة ثانوية عليا للبنات،
فالرحيل قدر محتوم.
سافرتْ وصرتُ وحدي، تتنازعني أمواج المدينة التي أعارتني بدورها إلى الصمت المريب والكآبة… والشرود!
أعود كل مساءٍ بالذكرى إلى مرسحٍ كنا نألفه معًا، من سويعات اللقاءات المسروقة من عيون الرقابة الأسرية.
مضت سنواتي، وخيالي يستحضرها كل حينٍ، وينادي:
أين أنتِ؟
أنا ما زلت أتمرغ في صحراء الوحشة والتيه… وحيدًا بلا أنيس ولا جليس!
اليوم ساقتني أقداري للسفر إلى العاصمة، وقف بنا القطار في محطة المدينة الجديدة التي سلبتها مني.
القطار يقف ما يقارب النصف ساعة، ليرتاح من وعثاء السفر ورهق المسافات، وأنا من فرحٍ أطلق العنان لأقدامي، أهرول إلى حيث مدرستها، أقف عند بابها الكبير، الموصد في وجوه الغرباء، محتارًا فيما أقول!
يفاجئني الحارس بالسؤال،
أقول: أختي.
فيقول: لا يوجد الآن أي طالبة بالداخلية.
كيف؟؟؟؟
من سوء الحظ، غادرن المدينة في إجازة نصف السنة، اليوم بقطار الصباح، وأنا في طريقي إلى العاصمة، في رحلة استشفاء مع أبي.
حال ضباب الحزن دون رؤيتها،
والدمع لا يجدي في إزالة أسوار الغياب،
والعين مع الدمع عمياء لا ترى سوى السواد.
صرت كلما سمعت أحدًا ينادي:
نجوى…
تلفتُّ،
وإذا قرأت في صفحات الميديا اسمها، ارتعشت.
بدأت أبحث على صفحات الفيسبوك،
ألبستني الأيام ثياب الخيبة… حتى قيدتني الحسرة بأغلالها،
فصرت سجينها، لكني كنت دوما في محراب الوجد أدعو، راجيًا سحر اللقاء.
مضت سنوات العمر ثكلى وما زلت أبحث عن صورة لها على صفحات الميديا… ولو مرةً… كي أعرف في أي مدينة أخرى أزهرت شجرة الكرز!
عُينتُ أستاذًا، تم نقلي برغبةٍ مني إلى حيث كانت، خالجني شعور بالفرح، لكني خشيت أن تنكأ جراح الماضي في ذاكرتي… حلم الانتظار الذي طال سقوف الاحتمال والصبر.
عند أول أيام العمل، صباحًا دخلت المدرسة بغبطةٍ لا توصف، كأني ولدت من جديد، كل فصلٍ أدخله أراها بين الطالبات رغم السنوات التي مضت على تخرجها، بل أتنفس أحيانًا رائحتها وعطرها في كل خطواتي في باحة المدرسة وفصولها!
لذا ضجرت من المكاتب.
صار الحزن يلازمني، صورتها على جدران المدرسة أراها كلما رفعت بصري، وحين أخذت عيوني تتورع من أن تبوح بإحساسي أغمضتهما… حتى أصطدم بالواقع المرير الجميل فأصحو
من غفوتي!
لكن صورتها لم تدعني أصفو، فصارت تظهر على السبورة، فحاصرني الحزن ولدغتني عقارب الاشتياق، فزُجَّ بي في غياهب الأسى والضياع… والألم.
صعبت عليّ الحياة في مدينةٍ سرقتها يومًا مني، ضاقت بي الأيام وقررت الرحيل، طلبت نقلي… إلى أي مكان يذهب عني أرق المساء والذكريات المريرة.
سألتني نفسي:
كيف تفارق مضارب الأحباب؟ إلى أين تذهب؟
قلت:
إلى حيث هي!
إذن ستصير كابن بطوطة في التجوال، حتى تعثر عليها!
قلت:
ليس مهمًا، لكن المهم أن أجدها أخيرًا وتلك غايتي.
ومضت السنوات العجاف، والأزهار تنتظر الربيع، وأنا أنتظر أي خبر عنها… أو غيث تجود به السماء، فتغتسل به أرض أحزاني وينمو في الصباح شجر الكرز، ويفوح أريج الأفراح! ولو خيالًا كي أتذوق حلاوة الحياة من جديد.
عادت بي الأيام إلى مدينتنا القديمة، وأنا أعرج من الخيبة، أجوب شوارعها، أتفرس في المارة، علّي أعثر عليها أو تعثر عليّ.
اليوم مضت عشرة أعوام بل أكثر، منذ آخر مرة رأيتها، فما يئست أحلامي… ولا أنا.
لنعود إلى حيث ترعرع الهوى؛
يوم كان طفلًا فغدا…
يكبر مع الأيام…
حتى كاد يدركه الفطام فبكى
لكني ألبسته الصبر جلبابًا
فقهقه وما نام!
يومها أثمر حلاوةً ونما.
وأنا ما زلت أذرف دمعي دمًا،
للتي لم تأتِ بعد.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى