ملحمة العبور… حين نطقت الأرض بالكرامة – مقالة وطنية – ملحمة شخصية وشهادة حيّة ….بقلب وقلم سمير إبراهيم زيّان

شاءت الأقدار أن أكون أحد المشاركين في حرب مصر الخالدة ، حرب أكتوبر المجيدة عام 1973.
لم يخطر ببالي يومًا أن أعيش لحظة عبور كتلك ، جدارية كبرى رسمت بدماء وأرواح ووجوه مصرية خالصة ، جسّدت العزيمة والإصرار ، وأعادت للوجود معنى الإرادة والكرامة .

كانت الساعة تقترب من الثانية ظهرًا حين جاء أمر قائد وحدتنا بالاجتماع الفوري . اصطففنا جميعًا كجنود وضباط في مركز القيادة ، فإذا بصوته يعلو فينا ، كأنه صوت التاريخ :
” لقد صبرنا طويلًا ، وتحملنا أكثر . تحدّث العالم عنا وكأننا فقدنا نخوتنا وتنازلنا عن أرضنا ، وكأن كرامتنا انكسرت ، ولكنهم نسوا من نحن . لم يقرأوا التاريخ جيدًا ، أو لعلهم ظنّوا أن أمجاد أجدادنا ليست فينا ، وأننا لسنا خير خلف . لكن اليوم….”.

وما إن بدأ يكمل حديثه حتى دوّى في السماء هدير الطائرات ، أسرابًا تتجه صوب قناة السويس ، كأنها ترسم على صفحة السماء بداية الفصل الجديد . عندها قطع القائد كلامه بكلمة واحدة صارت نشيدًا لنا :
“لقد بدأت حرب الكرامة…. انتشروا يا أحفاد التاريخ !”

لم تعد السماء كما كانت ، ولا الزملاء كما عهدناهم . أصبح كل شيء مغايرًا ، واضحًا ، حاسمًا. لم يبقَ أمامنا سوى خيارين لا ثالث لهما : النصر أو الشهادة .

عشرة أيام مضت لا يفرق فيها الليل عن النهار ، ولا الأضواء عن العتمة. اختلط صوت التكبير بهتافات الإقدام ، وغابت عن بالي ملامح أبي وأمي وإخوتي وأرض ميلادي . لم يعد شيء يشغلني سوى أنني جزء من لوحة خالدة ، أرسم فيها بالعرق والدم مع رفاقي .

نعم للعطش والسهر والجوع ، نعم للقاء العدو وجهًا لوجه ، ونعم للشهادة إذا جاءت ، شهادة تحمل معنى العزة والكرامة ، وتعيد للأرض شرفها وللإنسان مكانته .

لقد كانت حرب أكتوبر بالنسبة لي أكثر من معركة ، كانت ولادة جديدة لمصر كلها ، وكان العبور عبورًا نحو الوجود ذاته ؛ وجود لا يليق به إلا الكرامة والفخر ولثم تراب الوطن وهو يفتح ذراعيه مرحبًا بأبنائه المنتصرين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى