مكالمات واردة … قصة قصيرة بقلم نجوى عبد الجواد


كوب الشاي وكفى. غابت الشهية مع من غابوا. ترتدي الإسدال وتفتح البلكونة، تبحث عن نسمة هواء وشعاع ضوء، وكأن الظلام ينقص حياتها فينقطع النور بالأمس ليلا. الشاي الساخن يلسع حلقها؛ تتبعه بالماء عله يطفئ ما بداخلها. ككل صباح تمتد يدها إليه، تبحث في المكالمات الواردة، حافظت على الشحن بالأمس واكتفت بالرسائل. كان الأمس طويلا؛ وحدة، فراغ، وجع. دائرتها القريبة، الأخت، بنت العم،العمة، زوجة العم. تضحك: إذا لم ترد على الأخيرتين فالأسرة كلها سوف تتصل .
عاد التيار، دار المكيف، نسمات باردة تلطف الجو الساخن، الكرسي الذى تجلس عليه يجعلها مباشرة أمام المرآة، تشيح بوجهها عنها، لاتريد أن ترى امرأة مخذولة، لا حاجة لها بكِ. فكرت تتصل بابنها المغترب
نظرت إلى الساعة، الوقت مبكر، عمتها ملاذها مستيقظة الآن، ضحكات صباحية، حكايات تتكرر، تنتهي المكالمة بدعوات من القلب تطمئن لسماعها. رنة الهاتف تحول دون محاولتها العودة للنوم، تتناوله من جانبها، تجيش مشاعرها حينما ترى الاسم، لا تستحق دموعها : (تأخرتي كثيرا يا صديقتي) . بصوت مسموع تقول هذا.
تصمت مع صمت الهاتف، تحاول تغيير تفكيرها،( أخبارك حبيبتي ابقى طمنيني عليكِ) .
تدوس إرسال.
هذا الندل الصغير الذى اختار أن يعيش مع أبيه، سعيد بالحرية الزائفة التى يحياها هناك، لا بأس برسالة ترقِّق قلبه. (مريحه الغلاية، بيقولوا مضرة، طيب وإيه في الدنيا بقى مش مضر، أهي دنيا والسلام.) تقول في نفسها. لم تعد تشعر بمرارته، اعتادته بدون سكر، التلفاز مفتوح،؛ يؤنس وحدتها، على الكنبة تجلس، هذا المسلسل كان يسعدها من قبل، صوت الديك ينبئ عن رسالة جديدة :(أنا بخير يا ماما، لما أرجع من الشغل هبقي أتصل) .
رمز قلب ووردة وصلا للبنت التى أوحشتها.من الواتس للفيس للمعرض تتنقل ثم تتوقف لا إراديا عند السِّجل! تاريخ هذه المكالمة الواردة من شهر مضى، الرقم مسجل أمامه فلان المأذون،رقم الهاتف مميز، تبدو الحياة أرقاما دون أن ندري؛ الخامسة والثلاثون كان عمره حين وقّع عقد الزواج وهو في قمة سعادته ونصف الرقم كانت وهي في الكوشة. لم يحل رقم ثلاثة – وهو عدد الأبناء – بينهما وبين المشاكل التى شهد رقم خمسين – وهو عمرها منذ شهر- نهايتها. مزلزلة كلمة الطلاق حتى لو كانت برضا المرأة أو مطلبها. لا يحمل صندوق الوارد مكالمات إلا من دائرتها الضيقة منذ هذا الحين!
ضجيج المعارف والأصدقاء والأهل، الزيارات المتبادلة، الحواديت المسلية، المواقف الكئيبة التى تحولها بروحها المرحة إلى مواقف ساخرة تثير ضحكاتهم بدلا من دموعهم، زحام الحكايات والأشخاص يتمكن من رأسها،كانوا وكنا، كل هذه العلاقات كانت هشة!؟ هل كنت أتوهم وجودهم؟!
تنظر إلى باب الشقة الذى لم يفتح من أيام وتعود للهاتف،
تفزعها رنة مفاجئة، ترجعها من شرودها، يتحول التجهم لابتسامة ثم لضحكة: (راجع بكرة،! وعايز محشي وملوخية. ضحكة من القلب، حاضر، حاضر، هبدأ فورا تحضير الطلبات، هبعت لإخواتك وهنطلع لك المطار. مش هنسي الحمام بالفريك وأم على و… و…) تغلق الهاتف مع الابن، وقبل أن تنسي تحذف سجل المكالمات كلها، تفتح الباب المغلق منذ أيام، تصحب معها بواب العمارة ليحمل المشتريات وقد عزمت على تنقية هاتفها من العلاقات المزيفة عند عودتها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى