مفهوم الشعر عند زينهم البدوي بين النظرية والتطبيق …. بقلم د. بسيم عبد العظيم

ولد الشاعر والإعلامي الأستاذ / زينهم البدوي في 22 من نوفمبر عام 1957م بقرية برج البرلس ــ مركز البرلس بمحافظة كفر الشيخ. وتخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1980م. وعمل مذيعاً بإذاعة صوت العرب وقدم العديد من البرامج الثقافية والأدبية بالإذاعة ومن أهمها:تجارب فريدة في دنيا القصيدة بإذاعة صوت العرب. وكان نائبا لرئيس الإذاعة المصرية، ونائب رئيس اللجنة الدائمة للبرامج باتحاد الإذاعات الإسلامية.

وهوعضو مجلس إدارة رابطة الأدب الإسلامي العالمية، مكتب مصر. وعضو اتحاد كتاب مصر، وسكرتير الاتحاد، وكان رئيس لجنة شعر الفصحى. وهوعضو مجلس إدارة جمعية حماة اللغة العربية، ومؤسس المرصد اللغوي بالجمعية، وعضو مجلس إدارة جمعية حماية المشاهدين والمستمعين والقراء.

يتولى تدريس فن الإلقاء وتأهيل الكوادر الإعلامية في العديد من أكاديميات الإعلامومراكز التدريب الإعلامية، وفي النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر.

حصل على شهادة تقدير في عيد الفن والثقافة عام 1979م.

وحصل على شهادة تقدير من مهرجان الشعر الأول بجامعة طنطا عام 1982م.

وحصل على شهادة تقدير من مؤتمر الرافعي الأول للدراسات الأدبية عام 1986م.

وحصل على العديد من شهادات التقدير والدروع من العديد من المؤسسات العلمية والثقافية، تكريما له وتقديرا لعطائه.

صدر له ثلاثة دواوين هي:

​1ــ عبير من الفردوس​عام 2002م.

​2ــ من وحي المرارة  ​عام 2002م.

​3ـ تباريح الغروب والرحيل​عام 2019م.

  وله تحت الطبع:

​1ــ تجارب فريدة في دنيا القصيدة(مختارات شعرية ودراسات أدبية)

​2ــ عدة دواوين تتضمن شعره الذي لم يُطبع.

​ومَنْ يعرف زينهم البدوي يلمس فيه الجد والاجتهاد والصرامة في التعامل واحترام الذاتوعشق اللغة العربية، فلا يكاد يتكلم إلا بالفصحى الميسرة الجميلة التي تجري على لسانه جريان الماء العذب الزلال في الجدول الرقراق، فيفيد رواد مجلسه ويتحفهم بأطايب الكلام وفواكه اللغة العربية الدواني، كما يتحفهم بكرم الضيافة التي لا يخلو مجلسه منها، وشايه المنعنع الذي لا نحتسيه إلا في مكتبه حتى كتب فيه الشعراء.

​تأخر الشاعر والإعلامي زينهم البدويفي طباعة شعره أكثر من عقدين من الزمان،مع أنه كان يُشارك في المهرجانات الأدبية،واحتفى به الشعراء والنقاد الكبار أمثال محمد محمد الشهاوي ومحمد إبراهيم أبو سنة ودحلمي القاعود و دصفوت زيدوغيرهم.

​يقول عنه شيخ الشعراء محمد الشهاويــ شفاه الله ــ في مقدمة ديوان زينهم “من وحي المرارة”: “هو واحد ممن تربوا على يَدَيَّ،واحد من القلائل الذين لم ينسوا ما كان بيننا منذ أن خطا خطواته الأولى على درب الشعر،لقد تحقق فيه ما أتوسمه نبلاً وشعراً ووفاء…واحدٌ ممن يوقعون ألحان السماء علىأوتار القلوب” (من وحي المرارة ص 5).

​ويقول الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة عن ديوانه عبير من الفردوس وعن صاحب الديوان في مقدمته: “يفوح عبير هذا الديوان بأنفاس شاعرية واعدة، تتفتح أكمامها في ربيع روحي وعاطفي جياش. تفتح قصائده المورقة بالأمل نوافذ على آفاق رحبة من التواصل الإنساني والطهر والحب والبراءة… يبدو الشاعر الإذاعي زينهم البدوي شديدالفتنة بسحر الكلمات مؤمناً بدور الشعر في بناء القيم العليا الإنسانية، وهو يُلح على العناصر الأخلاقية والأبعاد الصوفية في هذه القيم”. (عبير من الفردوس ص 5)

​ويقول عنه د. صفوت زيد في ختام إطلالته السريعة على فيض مشاعره في ختام ديوانه “من وحي المرارة”: “لا يسعني إلا أن أشد على يديه مُهنئاً ومُباركاً، فالعطاء سخيٌّ،والرؤية مُكتملة في همسها الدلالي ونبضها العالي، وتيارها الفكري الذي تلاقت على شاطئه أحلام النفس في أفقها الواسع معانقة كل الحياة، ففي دوحة هذا الديوان وجدنا شاعراً له مذاقه الخاص، ورؤيته الجريئة، التي يعبر من خلالها عن رسالته، ممتلكاً أدوات التعبير الفكري برحابة واقتدار، فشدونا معه، وعلى قيثارة فنه العظيم ألحان الحياة” (من وحي المرارة ص 122، 123).

​أما أستاذنا الناقد الكبير أ.د. حلمي القاعود فيفتتح رؤيته النقدية لديوان شاعرنا الأول “عبير من الفردوس بقوله”: “هذا شاعر يحمل سمات الريف المتمثلة في الفطرة والبساطة والصدق والذكاء، وقبل ذلك الإيمان العميق بالله، مع أنه خاض دروب الحياة الصعبة بصبر ودأب، فإنه لم يتحول ولم يتغير، ولكنه ظل وفياً لأهله وبيئته في شمال الدلتا حتى شاطئالبحر المتوسط ومجتمع الصيادين في منطقة البرلس” (عبير من الفردوس ص 201).

​وبعد سبعة عشر عاما من صدور ديوانيه الأولين: عبير من الفردوس ومن وحي المرارة، يطالعنا الشاعر زينهم البدوي بديوان ثالث هو “تباريح الغروب والرحيل، قدم له الناقد د. حسام عقل، ملاحظا تعانق بنية قصائد الديوان مع بنية الترجمة الذاتية، وذلك في قصائد عدة أبرزها قصيدة “الغريد: صفحات جلية من السيرة الذاتية. (تباريح الغروب والرحيل ص5 ـ 9) كما لاحظ د. حسام عقل أن الشاعر جذب مساحة من قصائد ديوانه إلى مربع الحزن الذي عرف به الرومانتيكيون. (تباريح الغروب والرحيل ص 9،10) كما لاحظ العناوين الفرعة التي تغذي دلالات العناوين الأصلية (تباريح الغروب والرحيل ص 10)، ولاحظ كذلك الرسالة الحضارية الماثلة في التجربة الشعرية عند زينهم البدوي في ديوانه ورؤيته المثالية من خلال تقديره لرسالة الشاعر والاعتداد بدوره فارسا يقود فيالق التغيير والاستنارة. (تباريح الغروب والرحيل ص 11، 12)، ويلفت د. حسام إلى رومانسية زينهم البدوي التي لاذت بمملكة “ليلى”، وتغريدا لعشقها اللاهب (تباريح الغروب والرحيل ص 16،17)، كما يشير إلى روح”الحلم الثائر التي يتلفع بها الديوان” في غير اكثراث بالشر وأهله (تباريح الغروب والرحيل ص 17، 18)، وينتهي إلى أننا بإزاء شعرية حاسمة في مواقفها أو مدى مغامراتها، التي تؤطر ذاتها في قلب الحاضنة الجماهيرية، التي تنكبت لها التجربة الشعرية (السبعينية)، أو سخرت منها يوما!(تباريح الغروب والرحيل 18)، وأضيف إلى ذلك استلهام الشاعر زينهم البدوي للتجارب الشعرية الراقية التي شقت لنفسها طريقا في مجرى الشعر العربي المعاصر، حيث استلهم رائعة الشاعر المرحوم هاشم الرفاعي “رسالة في ليلة التنفيذ” ـ وإن كان الموضوع مختلفا ـ وذلك في قصيدته “ليلاي” ومطلعها: (تباريح الغروب والرحيل ص 83)

ليلاي: ماذا قد يقول لساني=في موقف قد عز فيه بياني

وأنا الذي بفصاحتي أطأ الذرى=وإلى الثريا يرتقي تبياني

ما كنت أحسب أنني في لحظة=سيصير قلبي كالأسير العاني

​يُمثل مفهوم الشعر إشكالية عند الشعراء والنقاد منذ كان الشعر، ومنذ كان النقد والنقاد، حتى كُتبت فيه الكتب منذ أرسطومروراً بابن قتيبه وابن سلام الجمحي وابن المعتز وأبي هلال العسكري وغيرهم من أعلام النقد القديم، وفي العصر الحديث أُلفت كتب كثيرة في ماهية الفنون الأدبية.. ومن بينها، بل على رأسها ــ الشعر، منها على سبيل المثال مفهوم الشعر عند العرب لعبد القادر القط، ومفهوم الشعر لجابر عصفوروغيرهما، علاوة على تعريفات الشعر في كتبالنقاد والبلاغيين المعاصرين وفي المعاجم والموسوعات الأدبية، أما الشعراء فمنذ العصر الجاهلي وهم منشغلون بالشعر، تعريفاً ومفهوماً ووظيفة اجتماعية منذ قال شاعرهم في الجاهلية:


ولولا خلال سنها الشعر ما درى
 
بناة العلا من أين تؤتى المكارم
  

حتى  العقاد الذي قال:

والشعر من نفس الرحمن مقتبس
 
والشاعر الفذ بين الناس رحمان
  

​ويختلف مفهوم الشعر ووظيفته باختلاف مذاهب الشعراء واتجاهاتهم الأدبية والفنية بل والأخلاقية.

​والشعر كما يراه زينهم البدوي في صدر دواوينه الثلاث: عبير من الفردوس، ومن وحي المرارة، وتباريح الغروب والرحيل، ينبع من وحي الطبيعة، فهو تغريد البلابل للخير الذي تطرحه السنابل، والشعر إن رق فاض نسائما، وإن ثار فهو دوي القنابل، وهو لذلك إكسير الحياة، وهبة الخلود من الإله، يتبدى في بسمة الأمل الوضيء أو في دمعة مزجت بآه: (الدواوين الثلاث ص 3،5، 3 على الترتيب)

الشعر تغريد البلابل
 
للخير تطرحه السنابل
  
إن رق فاض نسائماً
 
أو ثار دوى كالقنابل
  
الشعر إكسير الحياة
 
هبة الخلود من الإلهْ
  
في بسمة الأمل الوضي
 
أو دمعة مُزجت بآهْ
  

​انظر إلى هذا الجمال والخير والرقة في الشعر، وانظر إلى القوة فيه وهو كذلك عند زينهم البدوي تجارة وأيُّ تجارة؟ إنها نعم التجارة حين يؤثر الشاعر الموت على الصَّغار ويَعُدُّ الموت حينئذ شرفاً عظيماً.

​يقول زينهم البدوي في أولى قصائد ديوانه بعنوان “تجارة” (من وحي المرارة ص 11) وهي مقطوعة من أربعة أبيات في بحر الكامل:

أنا شاعر في كل بيت يُعرفُ
 
وتجارتي في الناس هذي الأحرفُ
  
قل لي بربك إنْ أردتُ لها صدى
 
فبأي بنك في بلادي تُصرفُ؟!
  
واحسرتاه على طهارة شاعر
 
قد عاش عمراً بالطهارة يُوصَفُ
  
إن كان شرطاً للبقاء صَغارُهُ
 
فالموتُ في عيني أجلُّ وأشرفُ
  

​إنه الشاعر الطاهر الحر الذي يأبى الصَّغار، ويؤثر الموت ويراه أجل وأشرف من حياة الذل والهوان!

​وفي المقطوعة الثانية من الديوان نفسه (من وحي المرارة ص 13) يطلق الشاعر صرخته في استفهام إنكاري يدل على النقاء والصفاء والشوق والحنين إلى الحرية، والدعوة إليها بحروفه السامية المتعالية على الجمود والذلة والرقاد، آملاً أن تُسهم أبيات شعره في شحذ​الهمم واستنهاض العزائم، وألا تكون مجرد صرخة في واد ــ كما قال في ختام مقدمتهللديوان.

​يقول شاعرنا في مقطوعته بعنوان: أعبادٌ أم عبيدٌ؟:

 هزني الشوق والحنين فنادي
 
حركي الروح في رفات العباد
  
ليت شعري أبعد ذلك صبرٌ
 
والورى داسهم ثرى الأوغاد؟
  
أعباد تظاهروا لعيوني
 
أم عبيد في هيئة الأسياد؟
  
حركيهم يا أحرفاً تتسامى
 
عن جمود وذلة ورقاد
  

​وفي حفل أقيم إحياء لذكرى الشاعر الرومانسي الذي لحق بربه في ريعان الشباب وذلك بقصر ثقافة بلطيم عام 1980م، يكتب الشاعر الشاب آنذاك زينهم البدوي قصيدة من أربعة وعشرين بيتاً في بحر المتقارب الراقص بعنوان: “سبحة في غيلم الشعر” يقدم لها بقوله: “في الشعر والشعراء قيلت الكلمات،وصيغت الأبيات. وهذه رؤية خليقة بالتأمل والتدبر، إنها سبحة من سبحات الخيال النقيفي عيلم الشعر العظيم ” (من وحي المرارة ص 15).

​يقول في مطلعها ــ وقد قسمها على ست مقطوعات، تحوي كل منها أربعة أبيات على الوزن نفسه والقافية ذاتها ــ ( ص 17 ):

سلوا البحر في شاطئيْ منتهاه
 
أفي الشعر يبصر معنى الحياةْ
  
وبالشعر يسبح صفوُ الأماني
 
وبالشعر يلحق ركبَ الجنَاةْ
  
فكم من خيال به قد سما
 
وكم من مُنىً أغرقتها يداهْ
  
فطوبى لشعر يشيع الهدى
 
ويحيي الأنام ويرضي الإلهْ
  

​ويخاطب الشاعر في المقطوعة الثانية قائلاً:(ص 17):

هو البحر فنك يا شاعراً
 
من الطهر ينسج دوماً مناهْ
  
تمنى لو انَّ قلوب الأنام
 
مُلئن شباباً وحباً تراهْ
  
إذا ما احتوته صروف الليالي
 
تحصن بالهدي لما طواهْ
  
فليس كحب الألي أجرموا
 
وضلوا بذلك سبل النجاةْ
  

​ويصور في المقطوعة الثالثة حال الشعراء المخلصين الذين يتألمون لما يرون ببصائرهم من أنين التقاة وظلم القساة فيقول: ( ص 17 )

وكم في الليالي من شاعر
 
تفيض بدمع الضَّنى مقلتاه
  
تألم حتى تراءت له
 
قلوبُ العباد صخورَ العتاةْ
  
كراعٍ تحسر لما رأى
 
دُنُوَّ الذئاب وبُعْدَ الشياةْ
  
وفوق العباد بصير يرى
 
أنين الثقاة وظلم القساةْ
  

وهنا يأتى دور الشعر وتتجلى وظيفته كما يراها الشاعر، هجاء لليل الذي طغى في دجاه، ورثاء لعهد الحياء الذي تول ولم يبكه أحد، وبشرى بفجر يرى الشاعر طيفه قد تدانى لينشر الضياء، فالفجر آت لا محالة ليزيح دجى الليالي، فيقول في المقطوعة الرابعة: (ص 18)

هنا ينظم الشعر أناته
 
هجاء لليل طغى في دجاه
  
رثاء لعهد الحياء الذي
 
تولى فمن ذا الذي قد بكاه
  
وبشري بفجر أرى طيفه
 
تدانى لينشر فينا ضياه
  
فمهما يغشي الليالي الدجى
 
فبالفجر حتماً ترى منتهاه
  

​ويواصل حديثه عن وظيفة الشعر في الحياةفيقول في المقطوعة الخامسة: (ص 18)

وهذا مراد المشاعر فينا
 
وفي كل قلب تفيض رؤاهْ
  
فما الشعر إلا نسيم سرى
 
ليبعث في الأفق فحوى شذاهْ
  
نداء يدوي بخير الورى
 
ترى من سيفقه معنى نداهْ
  
وصوت يرتل ألحانه
 
نشيداً من الطهر يهدى صداهْ
  

​ويختم قصيدته بالمقطوعة السادسة مؤكداً فيها على وظيفة الشعر والشاعر فيقول: (ص 18)

ضياء يسير على هديه
 
فضائل يأبين إلا سماهْ
  
لسان يترجم عن خافق
 
سما فوق ما تدعيه الشفاهْ
  
يئن لكي يستريح الأنام
 
ويسمو فيحكي العلا في علاهْ
  
ويؤمن بالله رباً حكيما
 
ويشهد ألا إله سواهْ
  

​وفي العام التالي 1981م يُقام حفل لإحياء ذكرى الشاعر صالح الشرنوبي، فينظم شاعرنا قصيدته “أبا الأحلام”، وهي قصيدة من أربعة وثلاثين بيتاً على بحر الوافر مطلعها: (من وحي المرارة ص 21)

سألت القلب قد أضناك سُهدي
 
أتبكي أم بكاؤك غير مُجد؟
  

​ويُصور فيها الشرنوبي شاعراً عشق المعالي وسما بالشعر فوق ذرى التحدي، يقول الحق لا يخشى ملاماً ولا يعنيه إرهاب التصدي،يسمو للعلا ويهدر كالرعد لبعث الحق غير عابئ بكيد العبيد، ولا آبه لظلم المستبدين، لا يخشى إلا الله، ويتصور وقد عاد صوته لينير سبيلنا بضياء مجدٍ مدوياً بالحقيقة، ثم يصور تردي حالنا، ويصور حال الشعراء تجاه رسالتهم المنوطة بهم في رده على الشرنوبي فيقول: ( ص 22، 23 )

أبا الأحلام في كوخ عظيم
 
أبا الإلهام في حزني وسَعْدي
  
تسائلني عن الشعراء حرصاً
 
على حمل الرسالة كم بوُدِّي
  
أرى الشعراء بعدك في سباتٍ
 
عميق أم تراه رقاد لَحْد
  
ويبكي الشعر والدمعات نهرٌ
 
يقول: ليقظة حاولت جُهْديَ
  
فما عرفوا لأيّ الأمر آتي
 
وما عرفوا لأيّ الأمر قصدي
  
فأين الحق في قول لديهم
 
وأين الصدق في أخذٍ ورَدِّ
  
فمنهم من يتاجر في نفاق
 
ومنهم من يتاجر في التعدي
  
أذكرهم بقول الحق يومياً
 
فألقى منهمو ما ليس يُجدي
  
فيجذبني الحنين لعهد صدق
 
وميدان يتيه بخير جُنْدِي
  
يجود بنفسه دوماً فداء
 
وخير الناس مَنْ بالروح يَفْدِي
  

​ويختمها بالثناء على صاحب الذكرى وشعره فيقول: (ص 23)

ربيع الشعر حسبك لا تداري
 
سناك مُقبلاً أبيات مُهدِي
  
وقل للجاحدين إذا استطالوا
 
عرفت الشعر منذ عرفت مَهدَي
  
 إذا غربت شموس في ضحاها
 
فقبل الفجر شمس الشعر عندي
  
سألت الله أن يلقى رجائي
 
وتجمعنا هناك جنانُ خُلْدِ
  

​ ونلحظ تأثر شاعرنا بقصيدة أبي العلاء المعري في رثاء الفقيه الحنفي ومطلعها:

غير مجد في ملتي واعتقادي=نوح باك ولا ترنم شادي

أبكت تلكم الحمامة أم غنت=على فرع غصنها المياد

​وفي النص الأول من ديوانه الأول عبير من الفردوس، وهو مقطوعة من ستة أبيات بعنوان “أنين القلب مرآتي” على بحر الوافر وروي النون المكسورة، يُقدم لنا شاعرنا ديوانه ويُصور لنا شعره الذي هو أنين قلبه وأنه عفيف النظم خفاق المعاني وأنه يسري ناشداً الشباب في الفؤاد،ويرق إذا رأى درر البيان، ويبصر ما وراء الرمز باحثاً عن الخلد، ولا تحركه القشور بل ينشغل بالجوهر الصافي، فمن يصغي له يحظى بآيات وأنغام حسان، وهو مرآة لمن يشدوه لحنا، يرى فيه ذات الشاعر ويبصر ما يعاني، يقول الشاعر: (عبير من الفردوس 19)

أنين القلب في أبيات شعر
 
عفيف النظم خفاق المعاني
  
سرى يبغي شباباً في فؤاد
 
يرق إذا رأى درر البيان
  
ويبصر ما وراء الرمز صفواً
 
ولا يغريه دون الخلد فاني
  
فشعري لا تحركه قشور
 
إذا ما الجوهر الصافي دعاني
  
فمن يصغي لرقته ليحظى
 
بآيات وأنغام حسانِ
  
ومرآة لمن يشدوه لحناً
 
يرى ذاتي ويبصر ما أعاني
  

​وشعر زينهم البدوي مرآة لحياته بل هو حياته الباقية الخالدة، فهو سجل لهذه الحياة منذ طفولتها البريئة وأحلام صباها وآمال رجولتها وإبائها ورقتها وجيشانها، والتزامها سبيل الحق نهجا يقود إلى المحبة والوفاء، فهو حياة كل ما فيها جليل لا تغتر بالزيف ولا تأسف على فقدان ما يفنى أو ما يستحيل، تزهو ــ على حرمانها ــ بنعم الإخلاص والصبر الجميل، فلا يزيد في شجنه أنين غروب الحياة أو تحركها جبال المستحيل بل إن روحه تعرج في علاها مذ أدركت أن الكون كله يؤول إلى فناء.

يقول زينهم: (عبير من الفردوس 23، 24 ) (بحر الكامل)

شعري حياة ليس يعروها الفناء
 
شعري حياة خلدها نعم الجزاء
  
نعمت بأحلام الطفولة والصبا
 
زخرت بآمال الرجولة والإباء
  
رقت فعاش الليث في أكنافها
 
حملاً وديعاً لا يفكر في اعتداء
  
هاجت ليدرك ظالم ما قد جنت
 
يده الأثيمة من حطام الأبرياء
  
هي بسمة الطفل الوديع براءة
 
هي دعوة المظلوم تسري في الفضاء
  
عرفت سبيل الحق فالتزمت به
 
نهجاً يقود إلى المحبة والوفاء
  

***

شعري حياة كل ما فيها جليل
 
شعري حياة بدؤها شمس الأصيل
  
جنحتْ إلى طيف الغروب كأنها
 
قد أبصرت قدراً يكون ولا بديل
  
ما غرها زيف ولا أسفت على
 
فقدان ما يفني وما قد يستحيل
  
ومضت على حرمانها تزهو بآ
 
لاءٍ من الإخلاص والصبر الجميل
  
ما زاد في شجني أنين غروبها
 
أو حركت نفسي جبال المستحيل
  
بل إن روحي في علاها ترتقي
 
مذ أدركت في الكون معنى للرحيل
  

​وكما عبر شاعرنا عن شعره بشعره تطبيقاً،رأيناه في مقدمة ديوانه “عبير من الفردوس”يصنع إطاراً نظرياً يعبر عن رؤيته للشعر، وقد رأينا تطابق الرؤية النظرية مع التجربة الشعرية،ففي مقدمته بعنوان “بين يدي العبير” يرى أن الشعر دفقة من شعور تسري بين الأفئدة،ومضة من فكر تصل بين الألباب في لغة شاعرة،تتخذ من قواعد الفن الشعري معراجاً إلى التأثير بمخاطبة الوجدان، وسلماً إلى الإقناع بمخاطبة العقل. (عبير من الفردوس ص 11)

​والرمز ـ عند شاعرنا ـ محمود بقدر إعانته للفن على إدراك غايته المنشودة، وهو عنده كملح الطعام، وفي أسلوب ساخر يقول: فما بال أقوام يجيدون طهي الملح بالنزر اليسير من الأرز، فإن عافته أنفس العارفين بأصول الطهي،وصمهم طهاة الملح بالسطحية وانعدام القدرة على كشف المستور! ويمضي شاعرنا مؤكداً على أن “الإغراق في الغموض لا ينجرف إليه الساقطون في بحره اللجي إلا عندما يتصورون هذيانهم قمة الإبداع:

​فالباذنجان الأزرق فوق سرير بُني اللون…

​يتراقص من فرط البهجة…

​ولا تسل إن كان ثمة باذنجان أزرق، فما درايتك أنت بألوان الباذنجان؟! وحتى إن لم يكن، فإن توهمه حق أصيل من حقوق الإبداع.

أما عن سر انجذاب هذا اللون من الباذنجان إلى هذا اللون من الأسِرّة، فإنه:

لا يعرف الشوق إلا منْ يكابده
 
ولا الصبابة إلا من يعانيها
  

​وليس من حقك أن تتساءل عن ماهية الرقص الباذنجاني، فإن له أصولاً وقواعد لا يُدركها أمثالنا!

​ويسائل زينهم البدوي في استفهامإنكاري: هل لنا أنْ نتباكى على حال الشعر في زماننا؟! وبعض المنتسبين إليه أشد خطراً عليه من أولئك الحاسدين له على مكانته الخالدة وإن كره الكارهون.

​ويُشخص حال الشعر الآن عند أرباب الحداثة ومعتنقي الأصالة، فيرى أنه يُعاني حساسية مريبة لدى أرباب الحداثة إزاء كل ما هو أصيل، وانقباضاً عجيباً لدى معتنقي الأصالة يحول دون تذوقهم لما يستحق الاستجادة من إبداعات المتعلقين بأهداب الحداثة، حتى صار كل منهما ترمومتراً عكسياً لصاحبه، إن رضى عنه شك في نفسه، وإن حظى بسخطه قرت عينه واطمأن إلى أنه لم يحد عن الصواب!

​ويصنف زينهم البدوي الدواء لهذه الحال، ويراه في مد جسور التواصل بين الشعراء، فحسب الشعر ما يعانيه من خصومة مفتعلة بينه وبين غيره من الأجناس الأدبية.

​وينعي على مفتعلي هذه الخصومة الذين يتحدثون عن السيادة الأدبية مثلما يتحدثون عن طبق اليوم أو تقاليع الموضة هذا الصيف، وقد انزلق بعضهم إلى مهاوي التقليل من شأن الشعر، وغمط حقه الأدبي في السمو بأذواق الأنام، ناسين أو متناسين قول العقاد عن الشعر والشاعر:

والشعر من نفس الرحمن مقتبس
 
والشاعر الفذ بين الناس رحمان
  

​ويذكرهم بقول الشاعر الكبير على الجندي:

يعز الشعر في رجل عزيز
 
ويضغُرُ في الذليل من الرجال
  

​مؤكداً على بقاء الشعر ما بقيت فينا أفئدة تنبض وعقول تعي، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

​ولعله يشير هنا إلى القائلين بأننا في زمن الرواية، ولعله كذلك في هذه المقدمة يرد على الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة في مقدمته للديوان حين قال إن تجربته الشعرية توشك أن تنغلق على ذاته بهمومها وطموحها وكبريائها، وهو ما رآه الناقد د / حلمي القاعود نزوعاً إلى الرومانسية، كما لمح موهبته القادرة على البناء الدرامي (قصة أو حواراً) في صياغة المواقف الإنسانية، مما يؤهله لتقديم القصة الشعرية والمسرحية الشعرية.

​وإذا كان زينهم البدوي قد تريث عقدين من الزمان قبل أنْ يقدم لنا شعره مطبوعاً في ديوانيه الأولين، وهو تريث أراه محموداً، ريثما تنضج الموهبة الشعرية وتؤتي أكلها، على عكس ما نراه الآن من تعجل النشر سواء منه الورقي أو الإلكتروني الذي ساعدت عليه وسائل التواصل الاجتماعي، فإنني أعتب عليه أن يهمل نتاجه الشعري ويحرمنا منه على مدى  سبعةعشر عاماً، منذ نشر ديوانيه عام 2002م، حتى يصدر ديوانه الثالث “تباريح الغروب والرحيل” عام 2019م، ولعل لوسائل النشر الحديثة دوراً في ذلك، فهو عين ما حدث لي حيث طبعت ديواني الأول عام 2004م، بعنوان “هموم وأشجان” وصدر ديواني الآخر “لو تطلبين العمر” أواخر عام 2011م، ثم أغنتني وسائل النشر الإلكتروني عن إصدار ديوان جديد، مع أهمية ذلك للدرس الأدبي، وقد أعددت ديوانا ثالثا هو فراديس الحب، وقد يصدر قريبا، ومن اللطيف أني أصدرت ديواني الأول في نفس السن التي أصدر فيها شاعرنا ديوانه الأول وهو سن الخامسة والأربعين.

​وقد صدر ديوانه الثالث ـ كما أسلفت ـ بعد سبعة عشر عاما من صدور ديوانيه الأولين، حاملا عنوانا حزينا هو: “تباريح الغروب والرحيل”، ويطيب لي أن أتحدث عن عناوين الدواوين الثلاث وأغلفتها التي ناسبت محتواها، فديوانه الأول : “عبير من الفردوس” يتضمن شعر البدايات وتتجلى فيه الرومانسية وأثر البيئة التي نشأ فيها شاعرنا على ضفاف بحيرة البرلس، وغلاف الديوان تبدو فيه البيئة البحرية ممثلة في القارب ومراكب الصيد وطائر النورس البحري المحلق، ويتآزر معها البيئة الزراعية ممثلة في الأشجار العتيقة والنخيل، ولم يفت مصمم الغلاف أن يبرز المساكن البسيطة التي يتوسطها المسجد، كما تبدو فيه السماء وما فيها من سحب، ويحزم الغلاف بقوس قزح.

​أما الديوان الثاني: “من وحي المرارة” فقد ضمنه الشاعر صراعه مع الحياة التي عركها وعركته، وذاق مرارتها، فجاء عنوانه مناسبا لمضمونه، كما صمم الغلاف تصميما ملائما فقد تجاورت فيه عدة ألوان كما تضمن الأهرام الثلاثة، والنخيل الذي يرمز للخير والرزق، والصبار الذي شمل جزءا كبيرا من الغلاف، ويقف عليه عصفور يرنو إلى الأهرام والنخيل والشمس الغاربة، وكأني به يرمز للشاعر الذي يحس بالغربة والمرارة في الحياة، وهي سمة من سمات الرومانسيين.

​ويأتي الديوان الثالث: “تباريح الغروب والرحيل”، بعد سبعة عشر عاما حافلا بنقد الواقع من خلال تجارب الشاعر وخبرته العملية، وفيه كذلك عبق السيرة الذاتية “شدو البلابل،والبلبل الغريد، وأنت شاعر”، وهموم الوطن “أيا وطني، وفي عين من، وفي مصر الآن”، وأصداء المهنة “مفاسد الإعلام، والكاذب الصحفي”، وفيه أصداء الرحيل والرثاء للغير وللنفس “غروب، وليس كما يموت الناس مات، ورحل الحبيب، ومناسبة”، والقصيدة الأخيرة من طرائف الشعر التي يحرص عليها الشعراء مرهفو الحس الذين يرثون أنفسهم قبل رحيلهم.

​ويستمر شاعرنا في ديوانه الثالث في التأكيد على مفهومه للشعر فيصف كلامه في القصيدة الأولى “ملامح”، وهي من شعر التفعيلة، قائلا: (تباريح الغروب والرحيل ص 21)

وكلامي:

إن جاوز حد الصمت

فلا يجتاز حدود الهمس

​وفي المقطوعة الثانية “نور ونار”، وهي أربعة أبيات من بحر الكامل، يصور أثر الشعر في حياته، فهو يحرر ذاته من ربقة الماضي وخوف الآتي، كما يأبى الشعر لشاعرنا أن يعيش مكبلا بقيود الإذعان لنيل الهبات، وهو نور ساطع في حالك الظلمات، ونار لا يحس بلهيبها الأموات، يقول شاعرنا: (تباريح الغروب والرحيل 23)

الشعر لا يرضى سوى تحرير ذاتي

من ربقة الماضي وخوف الآتي

الشعر يأبى أنْ أعيش مكبلا

بقيود إذعان لنيل هبات

فالشعر نور ساطع بضيائه

مهما يكن من حالك الظلمات

والشعر نار لا يحس لهيبها

من كان في الدنيا من الأموات

​وفي القصيدة الثالثة “شدو البلابل”، من بحر البسيط وروي الباء المكسورة، نجده ينصف الإعلاميين الذين أدركتهم حرفة الأدب، فيهديهم قصيدته، مشيدا بتضحيتهم بكل نفيس، وصحة عزائمهم في حمل راية الأدب وسيرهم على الشوك فوق الشك والريب، واسترخاصهم الروح في ميدان نصر الأدب في الحق وفي الخير، ويثني على قرائحهم التي تجود بالدرر فيردة الأصل والنسب في دوحة الشعر، كما يشيد بترنمهم ببديع الشعر عبر الأثير، مبينا في ختام قصيدته أن ميدان عزة الشعر في إنشاده وأن الشعر يزهو بالأصوات التي تصدح به، فتهز الأرواح قبل الأسماع من الطرب، يقولشاعرنا: (تباريح الغروب والرحيل ص 25، 26)

لله در أناس في حمى الأدب

ضحوا بكل نفيس دونما أرب

صحت عزائمهم في حمل رايته

ساروا على الشوك فوق الشك والريب

واسترخصوا الروح في ميدان نصرته

في الحق، في الخير،لا في سورة الغضب

في دوحة الشعر كم جادت قرائحهم

بالدر منه، فريد الأصل والنسب

ترنموا ببديع الشعر في ألق

عبر الأثر لدى عشاقه النجب

فقل لسائلنا: ميدان عزته

شدو البلابل، لا في باطن الكتب

الشعر يزهو بأصوات به صدحت

فاهتزت الروح قبل السمع من طرب

​وفي رسالة الأدب والإبداع يقول شاعرنا تحت عوان “عود حميد”، وهي قصيدة مكونة من سبعة أبيات من بحر الكامل: (تباريح الغروب والرحيل ص 27، 28)

ماذا يضاهي عودتي ليراعي

لأبث سحر الكون في إبداعي

وأصوغ إلهامي  وفيض خواطري

أدبا عظيم النفع والإمتاع

ليكون مرآتي وصورة مهجتي

وحصاد أحلامي وعقلي الواعي

صوتي الذي يشدو لأفئدة الورى

فيهزها ويرن في الأسماع

فهو االبشير بكل آت مشرق

وهو النذير يضج بالأوجاع

بالحق يصدع والجمال نشيده

للخير يدعو، فهو نعم الداعي

حسبي من الدنيا أثير ندائه

في كل مبكية، ويوم وداعي

​ويبدو من عنوان القصيدة أن الشاعر كتبها بعد فترة انقطاع عن الإبداع الشعري، ويتضح منها أنه لا شيء يضاهي عودة الأديب المبدع لقلمه، ليبث سحر الكون في إبداعه، ويصوغ إلهامه وفيض خواطره، في صورة أدب عظيم النفع والإمتاع في آن واحد، فشاعرنا لا يؤمن بنظرية الفن للفن، ولكنه يؤمن بأن للأدب غايات سامية بالإضافة إلى المتعة الفنية. ويسعى شاعرنا ليكون شعره مرآته وصورة نفسه، وحصاد أحلامه، وعقله الواعي، وليكون شعره هو صوته الذي يشدو لأفئدة الخلق فيهزها ويرن في أسماعهم.

والشاعر ـ عند زينهم البدوي ـ بشير ونذير، وكأنه يستعير للشاعر خصائص النبي، فهو البشير بكل آت مشرق، والنذير الذي يضج بالأوجاع، وهو الذي يصدع بالحق، ونشيده الجمال، ويدعو للخير، فهو نعم الداعي، وحسبه من الدنيا أثير ندائه، في كل مبكية ويوم وداعه.

وكأني به في البيت الأخير يستلهم قول شوقي:

كان شعري الهتاف في فرح الشرق

وكان البكاء في أحزانه

​وفي قصيدته البلبل الغريد نقرأ صفحات جلية من سيرته الذاتية في ثلاث مقطوعات مختلفة القوافي، على بحر الكامل، ويبدأ كل رباعية بــ “البلبل الغريد”، يسجل في كل منها صفحة من سيرته الذاتية مع الشعر، في أولاها يصور البلبل الغريد في ألق الصِّبا، والحياةتحلو بعينيه فوق الربا، يشدو فيطرب الأسماع المرهفة، كالصب الذي يميل من فرط صبابته، فيتجاوب الكون مع نشيده فيهتز عطفه من خفقاته، وتميل مع ريح الصَّبا أغصان القلوب، بينما نجد البوم والغربان مرهونة للكآبة، ولا عجب في ذلك، ففي عرف العقلاء لا تطرب البوم والغربان للشدو. (تباريح الغروب والرحيل ص29، 30)

البلبل الغريد في ألق الصبا

تحلو الحياة بعينه فوق الربا

يشدو فيطرب كل سمع مرهف

كالصب من فرط الصبابة قد صَبا

يهتز عطف الكون من خفقاته

وتميل اغصان القلوب مع الصَّبا

والبوم والغربان رهن كآبة

هل يدهش العقلاء ألا تطربا؟

وفي المقطوعة الثانية يواجه البلبل الغريد الصعاب فيؤرقه الضنا، من لوعة إبحاره في ألق المنى، فيضحي الأنين متجذرا بشدوه، ويغدو الأسى متمكنا من صدره، مع أن نشيده غمر الوجود فانزاحت الظلماء من فيض سناه، ثم يتساءل أيفت اليأس في تغريده، وهو المبشر بالسعادة والهنا؟. (تباريح الغروب والرحيل ص30، 31)

البلبل الغريد أرقه الضنا

من لوعة الإبحار في ألق المنى

أضحى الأنين بشدوه متجذرا

وغدا الأسى في صدره متمكنا

وهو الذي غمر الوجود نشيده

فانزاحت الظلماء من فيض السنا

أترى يفت اليأس في تغريده

وهو المبشر بالسعادة والهنا؟

​ويأتي المقطع الثالث والأخير ليصور حال شاعرنا “البلبل الغريد”، وقد صار متيما بالغوص في بحر الهموم تألما، وكلما زاد شجوه فإنه ما زال يسمو برؤاه فوق السماء، ولأنه صاحب همة لا تنحني فقد ألف التحدي وتحطيم الصعاب، وذلك لأن الله قد حباه صدى للصوت يصرع رقة وترنما. (تباريح الغروب والرحيل ص31، 32)

البلبل الغريد صار متيما

بالغوص في بحر الهموم تألما

لكنه مهما يكن من شجوه

ما زال يسمو بالرؤى فوق السما

ولأنه ذو همة لا تنحني

ألف التحدي للصعاب محطما

فلقد حباه المنعم الباري صدى

للصوت، يصرع رقة وترنما

​يكتب شاعرنا قصيدة يهديها إلى كل مبدع مغرد رغم أنف البوم والغربان، يجعل عنوانها “أنت شاعر” من ستة عشر بيتا على مجزء الكامل مطلعها: (تباريح الغروب والرحيل ص 33، 34)

ما في الأوائل والأواخر

مثل احتفائك بالمآثر

يا نفحة الرحمن في

زمن العجائب والنوادر

أنت المضحى بالنفيس

وليس يعبأ بالمخاطر

تمضي إلى العلياء لا

يثنيك إبطاء المحاذر

لم تلق بالا للمغانم

أو حسابات الخسائر

​وبعد أن يعدد صفات الشاعر المحتفي بالمآثر الذي هو نفحة الرحمن في زمن العجائب والنوادر، الذي يضحي بالنفيس غير عابئ بالمخاطر، الساعي إلى العلياء ماضيا من غير إبطاء فلا تثنيه المحاذر، فلا يلقي بالا للمغانم ولا يحسب حساب الخسائر، يخاطب شاعرنا الشاعر خالعا عليه مزيدا من الصفات، فهو صاحب الشرف الرفيع، ومنبع الشيم النواضر، ثم يسأله سؤال تثبيت لا سؤال مستفهم، ماذا يرجي من زمان عدله جائر في الناس، ولا وزن فيه لفارس الميدان، القادر في الناس، فكل المغانم في هذا الزمان للأشباه من أهل الصغائر، فماذا يرجي من النقاء الذي اغتاله موت الضمائر، والهدى الذي لم ينج من طعنات غادر: (تباريح الغروب والرحيل ص 34، 35)

يا صاحب الشرف الرفيع

ومنبع الشيم النواضر

ماذا ترجي من زمان

عدله في الناس جائر

لا وزن فيه لفارس

الميدان، من في الناس قادر

كل المغان فيه للأشباه

من أهل الصغائر

ماذا ترجي من نقاء

غاله موت الضمائر

ماذا ترجي من هدى

لم ينج من طعنات غادر

ويختم شاعرنا قصيدته ببعض الوصايا للشاعر، بأن يهيئ شراعه للمسير إلى المدى، فمن يسير سواه فهو خير سائر، وأن يدع الهموم وشأنها، مفوضا أموره لله، ويؤكد على أن هذا الزمان ساد فيه الجوف عشاق المظاهر، فليهنأ الشاعر بإنعام الله عليه بالشعر الذي هو الدرر الجواهر، وما ذاك إلا لأن الشاعر ما هو إلا جوهر صافنقي، إنه شاعر وكفى. (تباريح الغروب والرحيل ص 36، 37)

هيئ شراعك للمسير

إلى المدى يا خير سائر

ودع الهموم وشأنها

فالأمر للرحمن صائر

هذا زمان ساد فيه

الجوف عشاق المظاهر

فاهنأ بإنعام العلي

عليك بالدرر الجواهر

ما أنت إلا جوهر

صاف نقي أنت شاعر

​وفي قصيدة قصيرة من سبعة أبيات يصور لنا زينهم البدوي عشق المثال في الشعر وتوق الشاعر إليه، جعل عنوانها “عشق المثال”، وصبها في بحر الكامل، يقول فيها: (تباريح الغروب والرحيل ص 39، 40)

لو أحجم الشعراء عن تغريدهم

حتى يكون كما يروم الملهَم

لتو قف الإبداع عن جريانه

من نبع كوثرهم، وعز الملهم

إنا نتوق إلى القريض محلقا

فوق السحاب تغار منه الأنجم

متفردا بالسحب في أبياته

نشدو فيطربنا البيان المحكم

ونهيم في شتى الرياض فلا نرى

إلا البديع، بحسنه نترنم

ويختمها بحيرة الشاعر بين المثال البعيد المنال، أو إيثار الصمت العجيب والسلامة،فيقول:

فإذا المثال يلوح خلف المنتهى

والشاعر الغريد صب مغرم

أترى يغرد في سبيل مراده

أم يؤثر الصمت العجيب ويسلم؟!

ويحلم الشاعر بالقصيدة الاستثناء التي يحلم بها جميع الشعراء، فقد فتن بها وشاقته إليها لواعج فوق طوقه واحتماله، ويظل يسائلها متى تزدان عينه برؤيتها، فلا يجديه السؤال، لأن القصيدة الاستثناء تظل في مخيلة الشاعر يسعى إليها ولا يدركها، حتى قال بعضهم إن أجمل شعره هو ما لم يقله، ومن الطبعي أن يُسأل الشاعر عن حقيقة هذه القصيدة الحلم، فيأببى لها وصفا، سوى شمس المعالي، فهي تنير سبيلنا بالحق الذي يعلو فيمحو كل أشكال الضلال، وهي العزاء للمهموم، هما تنوء بحمله شم الجبال، وهي الحوراء في جنات عدن، فلم يرها ولا خطرت بباله، ومبلغ علمه أنها رؤيا يراها الرائي فيدعوه لوصلها سحر جمالها، ويظن أنها في راحتيه، ويبدع في رسمها وحي خياله، وينتهي بنا الشاعر إلى أن القصيدة الاستثناء أحد المستحيلات فهي العنقاء، وهي طائر خرافي لا وجود له، وقديما قيل إن المستحيلات ثلاثة، هي الغول والعنقاء والخل الوفي، فهي السراب يقينا، وهي بنت المحال، وتلك هي درة الأشعار عند شاعرنا، وستبقى دوما فوق أطواق النوال، يقول شاعرنا: (تباريح الغروب والرحيل ص 41 ـ 43)

فتنت بها وشاقتني إليها

لواعج فوق طوقي واحتمالي

أسائلها متى تزدان عيني

برؤيتها؟، فلا يجدي سؤالي

وأُسأل عن حقيقتها فآبى

لها وصفا، سوى شمس المعالي

تنير سبيلنا بالحق يعلو

فيمحو كل أشكال الضلال

هي التأساء للمهموم هما

تنوء بحمله شم الجبال

هي الحوراء في جنات عدن

فما نُظرت ولا خطرت ببال

ومبلغ علمنا رؤيا لراء

دعاه لوصلها سحر الجمال

يظن بأنها في راحتيه

ومبدع رسمها، وحي الخيال

هي العنقاء “توقنها سرابا”

ويعرفها الفضا “بنت المحال”

كذلك درة الأشعار عندي

ستبقى فوق أطواق النوال

​ولعل شاعرنا استلهم عنوانه من عنوان قصيدة أستاذه وأستاذنا الشاعر الكبير محمد الشهاوي “المرأة الاستثناء”، التي نالت شهرة كبيرة وحظيت باهتمام النقاد ومتذوقي الشعر.

وفي قصيدته “ليلاي” التي عارض فيه قصيدة الشاعر هاشم الرفاعي “رسالة في ليلة التنفيذ”، يخاطب شاعرنا ليلاه وأحسب أنها القصيدة، مفتخرا بفصاحته وبيانه فيقول: (تباريح الغروب والرحيل ص83)

ليلاي ماذا قد يقول لساني

في موقف قد عز فيه بياني؟!

وأنا الذي بفصاحتي أطأ الذرى

وإلى الثريا يرتقي تبياني

وبعد أن يذكر ما صنعته به ليلاه يختتم قصيدتهبالرد على لائميه في حب ليلاه فيقول: (تباريح الغروب والرحيل ص 85)

لو يعلم اللوام أني شاعر

يبغي مثالا ليس منه اثنان

لسموا إليه لفهمه ولباركوا

حبا تباركه يد الرحمن

وفي قصيدته “ليس كم يموت الناس مات” التي كتبها في وداع الشاعر السوري مطيع إدريس يتحدث زينهم البدوي عن الإلهام والإبداع عموما فيقول: (تباريح الغروب والرحيل ص 102)

فإذا الإلهام نار

يحرق الزيف لظاها

وإذا الإبداع نور

يمنح الدنيا ضياها

زاده هم وبؤس

يسلب الروح مناها

وعن الشعر خصوصا يقول شاعرنا:(تباريح الغروب والرحيل ص 102، 103)

غير أن الشعر يسمو

بالمنى فوق رؤاها

فكأن القفر روض

يكتسي عزا وجاها

وكأن الشوك فيه

وردة فاح شذاها

هكذا صور الشاعر الشعر وموقفه منهعلى مدار دواوينه الشاعر بعيد المنال، الثلاث ونشدانه للمثال والقصيدة الاستثناء، وأنها حلم يتبدى في خياله ويصعب مناه، ويقدم لنا الشاعر سمات الشعر وصفات الشاعر من وجهة نظره على نحو ما ظهر في هذا البحث وهي سمات وصفات نادرة بحق، حاول الشاعر أن يتمثلها في شعره وسيرته في الحياة، وأظن أنه نجح في ذلك المسعى النبيل إلى حد كبير، يشهد بذلك شعره الذي لم يتزلف به لأحد بل جعله عزيزا يتغنى به كما يتغنى البلبل الغريد في رياض الطبيعة، كما لم يخضع هو شخصيا في سبيل المناصب والجاه، وكأن شعره صورة من نفسه ومرآة تعكس شخصيته، وتلك سمة الشعر الجيد عند العقاد.

وأحب أن أسجل هنا سمتين أخريينمن سمات الشاعر والإعلامي القدير النبيل زينهم البدوي وهي حلمه من جهة وسخريته في أشد المواقف من جهة أخرى وقد برزت السمة الثانية في دواوينه بروزا واضحا، أما السمة الأولى فيلمسها كل من يتعامل معه بوصفه أمينا عاما لنقابة اتحاد كتاب مصر، وأزيد على ذلك مواقفه الكثيرة معي فقد أعطاني دروسا عملية في الحلم والصبر على الأذي هونت علي كثيرا مما اعترض حياتي في خدمة الأدب والثقافة من خلال عضويتي لمجلس إدارة النقابة الفرعية لاتحاد الكتاب بالمنوفية، وكذلك من خلال عضويتي لمجلس إدارة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ورئاستي للجنة العلاقات العربية، والأهم من كل ذلك صبره على كسلي في إنجاز هذا البحث ـ رغما عني ـ فقد تراخيت لا أياما ولا شهورا بل سنوات، فجزاه الله عني خير الجزاء.

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى