في مختبر الخلق … حيث تنحني الصدفة خجلًا ….مقال سمير إبراهيم زيّان


في مختبر الخلق … حيث تنحني الصدفة خجلًا ….مقال سمير إبراهيم زيّان

مقدمة
ليست المعجزة في أن يخلق الله الإنسان من طين ، بل في أن يجعل في الطين عقلًا يدرك، وروحًا تعي ، وخلايا تعرف الخير من الشرّ دون أن تُعلَّم .
من هنا تبدأ الحكاية … حكاية الجسد الذي يعبد خالقه بطريقته ، والعلم الذي يظن أنه يكتشف بينما هو في الحقيقة يتلو من كتاب الخلق دون أن يدري .
في هذا النص ، يلتقي العلم بالفلسفة ، والعقل بالروح ، ليشهد كلٌّ على أن الصدفة قد خجلت حين واجهت النظام الذي يسكننا .
العلم يتحدث … فَيُبهر
في العام المنصرم ، مُنحت جائزة نوبل في الطب لثلاثة من العلماء لاكتشافهم الخلايا التائية التنظيمية (Regulatory T Cells) ودور الجين (FOXP3) فيها ،
تلك الخلايا التي تعمل في صمتٍ مدهشٍ على حفظ توازن الجسد ، ومراقبة نظام المناعة حتى لا يتحول إلى عدوٍّ لنفسه .
إنها ليست خلايا متمرّدة ، بل شرطة داخلية تحمي النظام ، وتعرف متى تقاتل ومتى تكفّ .
أيمكن للعشوائية أن تُنتج جهازًا بهذا الوعي والدقة؟
كيف لخليةٍ أن تميّز بين “أنا” و”الآخر” بلا عقلٍ أو قصد ؟
لقد كشف الاكتشاف العلمي ، من حيث لا يريد ، أن في الجسد عقلًا خفيًّا ، يختبر ، ويقيس ، ويصدر الأحكام .
الغدة الزعترية ونخاع العظام هما المحكمة العليا التي تمرّ عليها خلايانا لتُختبر نقاوتها ،
ومن اجتازت نجت ، ومن فشلت أُعدمت بلا تردد ، حفاظًا على ميزان الحياة .
ثم تأتي ” الهيئة الرقابية الطرفية ” – وهي الخلايا التائية التنظيمية – لتؤكد أن كل شيءٍ محسوب ، وأن لا فوضى في هذا النظام الدقيق .
أهذه صدفة ؟ أم خُطةٌ مُحكمة كتبها عليمٌ خبيرٌ لا يترك شيئًا للعبث ؟
بين التطور والغائية
يحاكي هذا النظام ما يُسمّى بآليات التطور ، لكنه يكشف المفارقة العظمى بين التطور الأعمى والتطور الهادف.
فالخلايا المناعية تولّد أجسامًا مضادة جديدة كما تولّد الطفرات صفاتٍ جديدة ،
لكنّها لا تُترك لتفعل ما تشاء …. هناك اختبار ، وهناك اختيار ، وهناك غاية .
وذلك هو جوهر التصميم الإلهيّ الذي غاب عن أعين الماديين .
الانتخاب هنا ليس طبيعيًّا كما قال داروين ، بل انتخابٌ غائيٌّ واعٍ ،
يعرف النظام الذي يسعى إلى حفظه ، ويُقصي ما يُهدّده .
ولو تُرك الجسد بلا هذه الرقابة لانهار كما ينهار الكون لو تعطّل ميزانه .
وهكذا ، يصبح الجسد الإنسانيّ صورةً مصغّرةً من الكون ذاته :
حريةٌ تُضبط ، وفوضى تُقاد نحو نظام ، وطفراتٌ تُهذّب بغائيةٍ دقيقةٍ تحفظ الحياة .
كلّ ذلك يجري فينا …. لنفهم أن الخلق ليس صدفةً ، بل نظامٌ يُدار بيدٍ واحدة .
حديث الجسد والروح
وفي ليلٍ من التأمل ، سمعتُ جسدي يهمس لروحي :
” أما رأيتِ كيف أقاتل في صمتٍ لأحيا ؟ كيف أعرف عدوي من نفسي ؟”
فأجابته الروح :
” إنك لا تعرف ، بل تُلهم .
فيك تُتلى آيات الخلق دون كلام ، وفي خلاياك يكتب الله أسراره كل لحظة .”
رأيت الغدة الزعترية كأنها محرابُ توبةٍ تمرّ عليه الخلايا كما يمرّ السالك على شيخه .
ورأيت نخاع العظام كميزان عدلٍ يزن ما يُبقي الحياة وما يُهلكها .
ورأيت في الدمّ ملائكةً من ضوءٍ تراقب وتُصلح وتُطهِّر .
حينها أدركت أن الإيمان ليس عقيدةً تُقال ، بل حياةٌ تجري في عروقي دون أن أستأذنها .
قالت لي خليةٌ من خلاياي ذات حُلم :
” نحن مثلك ، نحيا بالاختبار ، ونفنى بالخطأ ، ونُبعث بالرحمة.
ولولا النظام الذي يُشرف علينا لهلك الجسد ،
ولولا النظام الذي يُشرف عليكم لهلك الكون .”
فبكيت …. لأنني فهمت أن كل نبضةٍ فيّ تصلي ،
وأن كل خليةٍ تسبّح ،
وأن الإلحاد لا يصمد أمام دمعةٍ واحدةٍ من وعي الجسد بما أودعه الله فيه .
ختام القول
يا من تبحث عن الله في السموات ،
اعلم أن في داخلك كونًا يسجد له دون أن تشعر .
فيك دليل الخلق ، وفيك برهان البقاء ، وفيك معجزةُ التدبير .
ولذلك ، حين تتحدث خلاياك بصمتها ، فهي تقول لك كل يوم :
ما كان هذا إلا بإرادةٍ لا تُرى ، لكنها تُدير كل ما يُرى .
فلتنحني الصدفة خجلًا أمام دقّة الخلق ،
وليشهد الإنسان على نفسه أنه لم يُترك سُدى ،
بل خُلق في أحسن تقويم ، لغايةٍ لا تنطفئ .
