فؤاد حدّاد… شاعرٌ على ناقةٍ عربيّة – بقلم محمد كمال سالم


فؤاد حدّاد… شاعرٌ على ناقةٍ عربيّة – بقلم محمد كمال سالم

(فؤاد حدّاد)
شاعرٌ قديم
على ناقةٍ عربيّة
شاعرٌ جديد
بيغنّي حرّيّة
— هكذا كُتب على شاهِد قبره، في مدافن المجاورين على صلاح سالم الشهير.

وأنا… اعتبرتُه واحدًا من أقاربي.
وأصبحتُ أزوره كلما دعاني القَدَرُ إلى مدافن العائلة، وإلى حوشِنا العريق هناك، لأكثر من مائتي عام.
وعمّي “فؤاد حدّاد” له معي ذكرياتٌ لا تنقطع…
حتى إنّي أزعم أن بيننا عشرة طويلة.
منذ أن كان راديو أبي العاجيُّ، ذو المؤشّر الأحمر الناريّ، يصدح كلّ ليلةٍ بأنغام عمّنا سيّد مكّاوي على أشعار عمّنا فؤاد حداد :
مسحّراتي منقراتي
في البلد جوّال
لفّيت ودبّيت
كما العاشق
ليالي طوال
وكلّ شبر وحتّة من بلدي
حتّة من كبدي
حتّة من موّال
وكان يتردّد في وجداني كلما هتف داعي القوميّة العربية :
الأرض بتتكلّم عربي
من حِطّين ردّي على
قُدس فلسطين
أصلك ميّه وأصلك طين
الأرض بتتكلّم عربي
سمعتُ أبي مرارًا يتحدّث عن فؤاد حدّاد، عن سيّد مكّاوي، عن شقّة عابدين…
وذات مرّة، حين طال انتظاري لجثمان قريبٍ نُشيّعه، تجوّلت حول المدفن الخاص بنا، أتفقّد أسماء الراقدين تحت شواهد قبورهم …
فإذا به — عمّ فؤاد — يرقد هنا، في نهر الطريق، بسلامٍ صامت.
لا حوش عظيم، لا غرفة، ولا حتى لافتة رخاميّة كبيرة…
فقط حجر بسيط نُقشت عليه كلمتان خالدتان:
شاعرٌ قديمٌ على ناقةٍ عربيّة
شاعرٌ جديدٌ بيغنّي حرّيّة
ربّما كانت وصيّتَه.
ويبدو أنه بعد كلّ هذا العطاء، أن عمّنا فؤاد حدّاد عاش وحيدا ومات هنا غريبًا.
لا مدافن أسرة، ولا قريب يزوره…

فهو ابن لأبٍ لبنانيّ كاثوليكيّ جاء إلى مصر للعمل، وأمٍّ بروتستانتيّة.
وُلد عام ١٩٢٨ في حيّ الظاهر بالقاهرة،
أسلمَ، وكتب أروع الكلمات في المساجد، في الشوارع، في حبّ الدين، وحبّ الناس.
ورحل عام ١٩٨٥.
منذ ذلك اليوم، صار في قلبي من أهلي.
كلما ذهبتُ إلى المدافن، مررتُ عليه، سلّمتُ، وقرأتُ له الفاتحة…
وفي زيارتي الأخيرة، كنتُ برفقة أخي علاء، وصديق العمر عاطف عبد الله،
الذي التقط لي صورةً عند مدفنه.
واليوم، كلما ذهبت إلى اتحاد الكتّاب، وأخدت مكاني في قاعة الدرسٍ والمناقشات..
أجده واقفا شامخا فوق رأسي..
وأعماله خالدةٌ في ضمير كلّ عربي.
تَرَحَّموا عليه.
واقرؤوا له الفاتحة.
محمد كمال سالم



