قالت لي المرآة…. “سطحٌ لا يعكس ، بل يفضح” … بقلم سمير زيان


قالت لي المرآة…. (سطحٌ لا يعكس ، بل يفضح) … بقلم سمير زيان

قبل أن أغادر ، وقفتُ لحظة أمام المرآة .
لم أكن أبحث عن انعكاسٍ لملامحي ، بل عن أثرٍ لما تبقّى من إنسانيتي .
فإذا بها تفتح لي أبوابًا لا زمان لها، وتقول ما لم يجرؤ أحد على قوله .
رأيت في بريقها لحظةَ السقوط الأول…. النفس التي همست : “أنا”، فوقفت ضد السماء ، ووقفت معها جحافل الجهلاء .
ثم ارتفع البحر ، وعلت الأمواج ، والسفينة تضطرب كأرضٍ ثكلى .
ونَوح ، النبيّ ، واقفٌ بين مَنْ آمنوا ومَنْ أبَوا ، بين مَنْ نجا ومَنْ آثر الغرق في وحل الكبرياء .
لكن ما انكسر فيه لم يكن خشب السفينة…. بل قلب الأب حين غرق ابنه بين من قالوا : “سنعبر وحدنا”.
رأيت عروشًا لا تزال تُصنع من طين مملّح بالدم ، تحكم الناس بالعصا ، وتنفيهم من الأرض التي ولدتهم .
ومَن قال لا…. كُسرت روحه ، أو قُتل صوته ، أو نُفي ضوءه في الزنازين .
كان الفرعون يتكرر ، لكن هذه المرة ، لا على ضفاف النيل…. بل على ضفاف أخرى، يُقيم فيها قومٌ نزعوا عن أنفسهم الذاكرة ، وارتدوا جبروتًا موروثًا ، كأنهم شعب الله، والناس عبيدٌ عند حواف قلاعهم .
في المرآة رأيت طفلاً يحمل حجراً ، وطفلةً تموت بلا اسم ، وأمًّا تحضن ترابًا باردًا .
لم تكن صورًا…. كانت صرخاتٍ صامتة تنغرس في الزجاج دون أن تُكسر .
ورأيت موسى آخر ، لا يحمل عصاه ، بل ينادي بوجهه العاري ، في زمنٍ لم يترك للكلمة مكانًا ، وللحقيقة مأوى .
ثم تناهى إليّ صوتٌ ، لا يُقال من فم ، بل يُسمع من ضمير :
“ما تغيّر شيء…. وحدهم الذين ما زالوا ينظرون ، يرون الحقيقة دون أن تُقال .”
هكذا كانت المرآة في تلك اللحظة….
لم تعكس مظهري ، بل فضحت ما كنت أحاول نسيانه .
٢١ يونيو ٢٠٢٥م


