حين يصمت الحب ….برقية نفسية بقلم / جيجي حافظ

في بدايات الحب ، تتدفق الكلمات بلا حساب،والضحكات تتسابق لتملأ الفراغ، وكأن الأرواح وجدت وطنًا مؤقتًا. ثم شيئًا فشيئًا يبدأ الصمت.
صمتٌ لم يكن راحة، بل إشارة.
لم يكن سكونًا، بل بداية اختفاء.
صمت لا يُقال فيه شيء، لأنه لم يعد هناك ما يُقال.
أو ربما، لأن ما يجب قوله مؤلم، فنختار الهروب عنه بالتجاهل.
-في كثير من العلاقات الزوجية، لا يبدأ الانهيار بالصراخ أو الخلافات، بل بالصمت نظرات صامتة، طعام يؤكل في هدوء، مساءات تمر دون أن يسأل فيها أحد الآخر “كيف كان يومك؟”
تصبح الكلمات محدودة، سطحية، مجرّدة من الدفء، وكأن العلاقة دخلت مرحلة “البث الصامت” حيث كل طرف يسمع صدى وحدته ولا يبوح.
فهل تغير الحب؟
ولماذا يتغير من كان في يومٍ ما أقرب الأقربين؟
أولًا: الصمت ليس دائمًا جفاء… لكنه رسالة، وأحيانًاهو أقسى من أي كلمة قيلت.
الصمت بين الزوجين لا يعني بالضرورة أن الحب قد “مات”، بل ربما هو التعب من تكرار المحاولات، أو الخيبة، من ألا يُفهم أحدهما حين يتكلم، أو التراكم حين تُخزَّن الخلافات بدلا من مواجهتها ؛حتى تصبح العلاقة حقل ألغام يخشى الطرفان السير فيه.
وقد يكون الصمت نوعًا من المقاومة، أو وسيلة للعقاب، أو حتى وسيلة للبقاء؛ لأن الكلام قد يفتح أبوابًا شائكة.
ووراء هذا الصمت، غالبًا ما تقف واحدة أو أكثر من هذه الأسباب:
” تراكمات لم تُفهم ولم تُحل”
ليس كل وجع يُقال في حينه.
أحيانًا نُؤجل المواجهة، ثم نُسكِت مشاعرنا مرارًا، حتى تختنق في دواخلنا وتتحوّل إلى صمت بارد.
كل مرة “عدّينا”، “تنازلنا”، “سكتنا”، ولم نُعالج الجرح…فتراكم الغبار على الحب حتى أصبح من الصعب رؤيته .
– -اختلاف اللغة العاطفية
الزوج يحب بطريقته، والزوجة تنتظر طريقة أخرى.
هو يُعبّر بالفعل، وهي تنتظر الكلمة.
هي تُعبّر بالتلميح، وهو لا يفهم إلا التصريح.
وحين تفشل محاولات الفهم، يتحوّل الحب إلى خيبة، والخيبة إلى صمت
-الروتين العاطفي وضغوط الحياة
اليومية تُرهق القلوب، وتُنسيها أن تُجدد العلاقة.
بين مسؤوليات الأطفال، وضغوط العمل، ومشاكل الأهل، تذبل الكلمات، وتغيب المبادرات، وتدخل العلاقة في “وضع الصامت”.
ليس لأن الحب انتهى، بل لأن الاهتمام انهكته الأولويات
-جراح قديمة لم تُعالَج
أحيانًا الصمت ليس عن اللحظة… بل عن الماضي ( خيانة، موقف مؤلم، كلمة جارحة)، تم تجاوزها ظاهريًا لكن لم تُشفَ داخليًا. في هذه الحالة، كل تفاعل جديد يُستقبل بعدسة الماضي… فيصعب على العلاقة أن تتنفس من جديد.
ـ غياب التقدير والامتنان
ـ الخوف من عدم الفهم أو السخرية غيرها فى
النهاية
الحب لا يرحل دفعة واحدة ، بل يذبل بصمت ، ثم يرحل
حين يصمت أحد الزوجين، لا تسأل فقط: “لماذا لا يتكلم؟”
بل اسأل:
ـ متى كانت آخر مرة شعر فيها بالأمان معي؟
ـ هل كنت حاضرًا حقًا حين احتاجني؟
ـ هل استمعت له بقلبى لا بأذنى؟
ـ هل اعتذرت حين أخطأت؟
الصمت ليس عيبًا في الشخص… بل علامة نقص في المساحة العاطفية.
والمساحة لا تُبنى بالعتاب… بل بالاحتواء؛ لا تدع الصمت يُصبح اللغة بينكما.
تكلّم، حتى وإن كان الكلام مؤلمًا.
اصغِ، حتى وإن لم تفهم كل شيء.
فالكلمة الطيبة قد تُحيي علاقة تحتضر، والحديث الصادق قد يرمم ما هشّ..
أما السكوت الطويل، فغالبًا ما يكون جنازة حبٍ لم يُدفن بعد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى