سردية التوتر في مئذنة عادل البدوي بين مقدس الله ودنس الإنسان بقلم د / نجوى محمد سلام ( الفراشة الحالمة )

مقدمة :
يرتكز الإبداع الروائي لأى روائي على دعامتين رئيسيتين : أولاهما أن يكون لدية قضية يسعى لايصالها لدى المتلقي ويتفرع من هذه الدعامة دعامات فرعية مثل ( نشأة الكاتب ، تعليمه ، ثقافته ، خبراته ، وموقفه من العالم ) ، والثانية أن يجيد مهارات الكتابة الروائية ، ويندرج تحتها دعامات فرعية أخرى تدور كلها حول مهارات الكتابة الروائية ، بدءاً من الإلمام بتقنيات بناء الرواية ، وإجادة الحيل الفنية والسردية ، وامتلاك اللغة والأسلوب والتحكم فى الإيقاع الروائي ، إلي الإيهام بالصدق ، وهي المهارات التي تفرق بين مبدع وآخر فى سلم الارتقاء بالابداع الروائي . إذاً القيمة الحقيقية لكل مبدع تقاس بناء على هاتين الدعامتين وما يندرج تحت كل منها من دعامات فرعية . فلا يقاس إبداع المبدع الروائي بالكم ولكن بالكيف وعليه يمكننا التفريق بين من لديه مشروع روائي حقيقي ممن يدعي ، ومن يضع لنفسه خططاً أثناء الكتابة ممن يكتب بشكل عشوائي ، كما يمكننا من خلال هاتين الدعامتين التنبؤ بمن الذي سيستمر في الإبقاء على بصمة جمهوريته الأدبية وإبداعه ومن الذي سينضب مخزون بنات أفكاره ويعطب معين إبداعه .
البناء الروائي لمئذنة عادل البدوي :
تقع رواية المئذنة البسيطة حكاية وسرداً العميقة رمزاً ومعنى في أربعة فصول ( الفصل الأول 1973 ، الفصل الثاني 1974، الفصل الثالث 1980، الفصل الرابع 1981 ) وكان المكان الرئيسي الذي دارت فيه معظم أحداث الرواية والذي أقيمت فيه المئذنة قرية صغيرة من قرى مركز طنطا ‘ وكان الحدث الأول في الرواية إعادة بناء المسجد ، بينما كان زمان بداية الأحداث والذى عنون به الفصل الأول من الرواية 1973 م ، طبعت 2021 دار جينيال للنشر .
وقد كان الكاتب موفقاً جداً فى اختيار أسماء أبطاله وعنوان روايته ، فمنذ الوهلة الأولى والعنوان يحمل دلالات ورمزية ، ففي السياق الرمزي تعد المئذنة علامة معمارية مشحونة بالدلالات الروحية ، والاجتماعية ، والوجودية ، وعندما تتحول إلى عنوان لرواية ، فإنها لا تظل فقط ( برجاً يؤذن منه ) ، بل تصبح علامة روائية كبرى تتقاطع فيها مفاهيم الهوية والانهيار والصوت والسلطة والغياب .
فالمئذنة لدى المسلمين هى مصدر النداء إلى الصلاة ، مما يجعلها ترمز إلى الحضور الإلهي ، والروحي ، والدعوة إلى الطهر ، وهي في الرواية ترمز إلى الصوت الضائع أو المنكسر أو إلى البحث عن الله في عالم مادي صاخب .
وبنيانها العالي يجعلها ترمز إلي الصعود ، السعي ، الترقي ، أو الحنين إلى السماء لكن حين تهدم أو تشوه ( ضمن السياق الروائي لعادل بدوي ) تصبح رمزاً لسقوط المعنى ، وانهيار المقدس ، واغتراب الانسان ، فالمئذنة على عمومها تمثل الهوية الإسلامية الجماعية بينما هي فى الرواية رمزاً للانتماء الذي يتآكل أو للاستلاب الثقافي حين تتحول إلي ديكور لا وظيفة له لدى أبو عماد غير كونها وكراً لدخان سجائره وما تكتظ به من مخدرات .
( في كل صباح تراه على المئذنة يصعد كبطل رياضي يمارس تمارين الصباح ، لا يحول بينه وبين ما يريد أن يراه إلا بعضاً من دخان سيجارته التى يشعلها في نهار رمضان بجوار لمبات المئذنة التي تتألم من كثرة الدخان ومن نار السيجارة الملتهبة ) ص 28 .
( وكالعادة في مثل هذا الوقت يقف أبو عماد شقيق أبو مريم عند أعلى نقطة في المئذنة يشعل سيجارته التي لا تفارق يده في نهار رمضان ) ص 30
( يحمل الأطفال العبوات الفارغة التي يقذفها خلف المسجد من أعلى المئذنة ، يتنافسون في الحصول على أكبر عدد منها لكن أمينة لحسن حظ هذا الرجل ، لا يصل إليها ما يسمع هو هناك فوق المئذنة من أغاني العشق والهوى التي تهتز لها رأسه طرباً ) ص 55 .
إذا كانت الرواية تتحدث عن خراب نفس أبو عماد وانهيار قيمه وأخلاقه لكنها أيضاً تثبت الحكمة القائلة ( يخرج من ظهر الفاسد عالم ) حيث تبين موقف ابنه فؤاد الذي لا تعجبه أفعال أبيه أعلى المئذنة فيقرر رد فعل يؤكد مواجهة الانهيار الأخلاقي بالتصدي له مؤكداً حديث رسولنا الكريم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ) ، فالبرغم من حداثة سنه لكنه فطن لخطورة وجرم ما يفعله والده فجاء رد فعله في أحداث الرواية مؤكداً أن المئذنة كقيمة كبرى ورمز ديني وروحي لن تنهار أو تفرغ من محتواها أو يعاد استخدامها في أغراض غير التى بنيت من أجلها .
( وذات يوم اصطحب أبو عماد معه ابنه فؤاد ، وعندما صعد هذا الصغير ورأى الشيشة وكل مستلزماتها فما كان منه إلا أن رمى بكل ما وقعت عليه عينه من أعلى المئذنة خلف المسجد وفر هارباً ) ص 71
إذن أن تكون ( المئذنة ) عنواناً للرواية ، معناه أن المؤلف يدعونا للنظر إلى صوت قديم يبحث عن تجلياته في زمن بلا آذان ، أو إلى علامة مرتفعة ترمز إلى شئ يحاول المتربصين اسقاطه في الداخل حتى وإن ظل شامخاً فى الخارج ، فالعنوان ليس مجرد إحالة إلى معمار إسلامي ، بل إلى فكرة كبرى تنهار ، أو تفرغ من محتواها ، أو يعاد تأويلها وخصوصاً أن إعادة بناء المئذنة داخل أحداث السرد الروائي كان متزامناً مع أول أيام شهر رمضان 1973
( فى أول أيام شهر رمضان 1973 وبعد صلاة العصر ، يفتتح المسجد الجديد الذى يعتبر واحداً من أروع المساجد في كل قرى المحافظة ، ويلقي صفوت بيه كلمته يشكر فيها كل رجال القرية ، ويخص بالذكر أمينة وكمال يقول : لو كل قرية فيها رجل مثل كمال وسيدة مثل أمينة ، ما تجرأت إسرائيل على أراضينا ) ص 20
لقد كتب لمئذنة عادل بدوى أن تبنى لتقاوم الانهيار الأخلاقي والروحي لأنها رواية بنيتها السردية كاملة من حيث الزمان والمكان والشخصيات والأحداث المتتالية المترابطة والتى قدمها فى عالمه الروائي بلغة بسيطة ومفردات تلائم العالم الريفي الذي عبرت عنه بلغة راقية وسرد عذب وأسلوب يسهل فهمه بمنتهى الأريحية ، ومنح جميع أبطالها حرية التعبير عن ملامح شخصياتهم بمباشرة حميمية للمتلقى ، فكشفت الرواية عن إدانة واضحة لأبي عماد وكل من على شاكلته ، وانحياز تام لكل من ( الأستاذ محمود علام ، أمينة الخرساء ، كمال ، زينب ومريم ، فؤاد وكل من يرتوى من نبع أخلاقهم ) .
لقد حملت الرواية بين جنباتها صفة الازدواجية أو ثنائية الأطراف التى تتراوح بينهم الدلالات المجازية والإدانات الجذرية ، فهناك إدانة الفساد المنتشر فى القرية المتمثل في شخصية أبى عماد ولذلك تحرص الرواية على الإشارة المباشرة لفساد ذمته وعطب شخصيته لكنها فى الوقت نفسه تبين وعي أمينة الخرساء وفؤاد بقيمة المئذنة .
( يرتكب أخطاء كثيرة عن عمد ، يصيب من حوله بمطرقة اليأس والفشل ، وبعد أن تسيطر عليهم الحسرة وخيبة الأمل يبهرهم بكامل الحل كالساحر ، يسعى دائماً إلى أن يملأ قلوب كل من حوله بالحذر والخوف وتجنب الأماكن التي يتحرك فيها ) ص 25
( وكالعادة في مثل هذا الوقت يقف أبو عماد شقيق أبو مريم عند أعلى نقطة في المئذنة ، يشعل سيجارته التي لا تفارق يده في نهار رمضان .
لفت هذا المشهد انتباه أمينة الخرساء ، التي كانت قريبة من المسجد ، فصعدت كالفراشة أخذت منه السيجارة ، وبيدها الطاهرة القوية أطفأتها في ظهره وهويحاول الهروب من أمامها ، وظلت تنظر إليه بغضب شديد وباحتقار وهو يبحث عن شئ يحتمي خلفه ، هذه السيدة لم تبدأ العمل في هذا المكان يوماً إلا بعد الوضوء ، وهو لم يفرق بين المدينة والقرية ولا بين عمارة سكنية عالية ومسجد ) ص 30
كما تعكس الرواية نسق القيم والأخلاق لدى أم مريم وبناتها خصوصاً بعد رحيل أبي مريم واستشهاده فى الحرب .
( لم تسلم نفسها للحزن ، ولم تشتر الهم والغم بالدموع ، ولكنها اشترت الواقع بقليل من الصبر والحكمة ، تكيفت بوازع داخلي قد تعمق في ذاكرتها ، وهي التي مات أبوها وهي طفلة ، مع المستجدات من حولها ، لم تتعلم في المدرسة لكنها تعلمت أن تقرأ المشهد من حولها ) ص 54
( في اليوم التالي بعد الغروب ، وبعد أن عادت أم مريم من الحقل وبينما كانت تداعب طفلتها الرضيعة خلف باب المنزل ، يدفع أبو عماد الباب فجأة و عنوة ، ويدخل دون أن يقول أى كلمة ، عندها يرى من مفاتن جسد أم مريم وبدون مصباح كهربائي ما لم تره عيناه من قبل تحت عشرات المصابيح …..
سترت جسدها على الفور ، اندفعت زينب تحتضن أمها وتستر ما عجزت الملابس عن ستره ، وهمت مريم واقفة ومنقرتها تحت أقدامها ، انسحب الصمت بعيداً تاركاً للطفلة الرضيعة وضع الموسيقى التصويرية المناسبة للمشهد ) ص 62
وبرع الروائي عادل البدوي في أنسنة فصول السنة إذ جعل الشتاء يحصل على تأشيرة سفر
( وحيث أن الشتاء في هذه الأيام كان قد حصل على تأشيرة سفر ، والربيع قد أرسل بوادر لوحاته الفنية ونسماته الدافئة ) ص 68
وهي عبارة بلاغية مدهشة تجمع بين المجاز والسخرية الناعمة والاسناد الخيالي وتوظيف عناصر من المحسنات البديعية ضمن بنية سردية شاعرية ، فالروائي أضفى على الشتاء صفة الانسان القادر على استخراج وثائق رسمية فلا يكتفي النص بصورة واحدة ، بل يركب المجاز السياسي / الرسمي ( تأشيرة ) على عنصر طبيعي ( الشتاء ) مما يولد مشهداً ساخراً ضمنياً كأن الطبيعة تدخل في منطق البيروقراطية .
والعبارة كناية عن اختفاء البرد في غير أوانه ، أو غياب الشتاء الحقيقي رغم وجوده اسمياً في التقويم ، والعبارة تنتمي إلى أسلوب السخرية البلاغية الناعمة أو ما يسمى أحياناً بالتهكم التخيلي حيث تروى أحداث طبيعية بلغة الأحداث السياسية أو القانونية ، هذه المفارقة بين اللغة والواقع تولد مايعرف بالانزياح الأسلوبي أحد سمات النصوص الإبداعية ذات الدلالات المركبة .
كما أضفى على الربيع صفات بشرية كأنه كائن فاعل يمتلك إرادة وقدرة على الإرسال ، ولوحاته الفنية لا تفهم على حقيقتها فالربيع لا يرسم لكن يقصد بها المناظر الطبيعية الزاهية من أزهار وألوان فالروائي حول المشهد الطبيعي
( الربيع ) إلى عمل تشكيلي حي ، وهناك توازن لفظي في تركيب العبارة بين بوادر لوحاته ونسماته الدافئة فهناك نوع من التوازن التركيبي يعطي الجملة إيقاعاً متناغماً .
( فزينب تستطيع بامتياز أن تروض العزلة والانطواء ، لتصبح هذه الحيوانات الكاسرة – التي تفترس الكثير من الناس – كطيور الزينة ، تغرد وهي تلعب على الكتب المنتشرة في كل مكان ) ص 98
( في حين أن سمير كقمر صناعي يدور وحيداً في مدار محدد له بدون حول منه ولا قوة ، لا يختار محطاته ، ويظل ينتظر الاشارات والتعليمات التي ترسم طريقه وتختار رفيقه ) ص 104
( أما رباب –ابنتها من زوجها الأول – فهى بنك مفاتن متنقل ، تغير ملابسها كل ساعة ، تجيد لغة العيون ، وتحرك قدميها على الأرض وكأنها تعمل للأرض تحتها مساج ، فتنشط جاذبية الأرض تحت قدميها ) ص 136
استطاع البدوي- رغم بساطة لغته – أن يمزج عدداً من الأفكار في نسيج متماسك يأخذ بيد المتلقي ليمكنه من رؤية جوهر المئذنة من عدة منظورات فريدة ومميزة تشهد لكاتبها بالتعمق والتبسيط في عرضها في آن واحد ، ولأن كل مفهوم يصبح قريناً لنقيضه ، فإن الوسيلة الأولية الوحيدة التي يمكن عن طريقها توضيحه للآخرين هى أن نقيسه ونظهره مقارناً بنقيضه ، ومن هنا كانت انطلاقة البدوي فى رسم ملامح شخصيات أبطال مئذنته وسلوكياتهم ، من كان يصدق أن أمينة الخرساء أو هدية السماء كما كان يلقبها صفوت بيه ، تلك الأنثى المسنة التي يسمع كل من في الحقول صوت زئيرها وتهتز له الأغصان وتتساقط أوراق الأشجار عندما يقترب أحد من المئذنة بأفعال تنافي وقار وقداسة المئذنة ، فهى أنثى قادرة على أن تفعل ما يعجز عنه بعض الرجال .
( هي سيدة حرمت الكثير من النعم ، لكنها لم تحرم النعمة الأعظم وهى سماع همس ضميرها ، وهذا ما كان يمنحها القوة واحترام كل من يتأمل حياتها ومواقفها ) ص 16
( حاربت هذه السيدة التي فقدت الكثير من النعم – على مدى شهر كامل من أجل الحصول على ماء طاهر ، تخلط به الأسمنت والرمل في مكان طاهر ، وكانت تنام الليل بجوار مواد البناء ، وبجوار جدران هذا المسجد الجديد ، ليس خوفاً عليها من السرقة ، ولكن حتى لا يقترب فأر أو قط شارد منها ، وهذا الرجل كان يأخذ السيجارة من العمدة فى المساء ويشعلها فوق المئذنة في الصباح ) ص 31
أمينة لم تكن مجرد إمرأة ريفية خرساء داخل الرواية ، بل كانت رمزاً جلياً للقيم والمبادئ ، حدث كمال نفسه عنها فقال : ( الجندي يحارب يوماً ويستريح يوماً ، أما أمينة فهي فى حرب مستمرة ضد اللهو والعبث والظلم والخيانة ) ص 33
وعلى الرغم من كونها شخصية ثانوية في الرواية لم يفرد لها الكاتب مساحات كبيرة للظهور إلا أنها كانت علامة فارقة داخل متن الرواية كلما أطلت على المتلقي على لسان أبطال الرواية الآخرين ، فلا ينسى المتلقي كلمة الشكر التي ألقاها صفوت بيه في أول أيام شهر رمضان 1973 بعد صلاة العصر فى افتتاح المسجد الجديد والتي قال فيها ( لو كل قرية فيها رجل مثل كمال وسيدة مثل أمينة ما تجرأت إسرائيل على أراضينا ) ص 20 .
كما ان المتلقي لن ينسى كمال ، أبو مريم ، صفوت بيه علام ، العمدة ، أبو عماد الكهربائي شقيق أبو مريم ، أم مريم ، الجدة ، زوجة أبو عماد ، مريم وزينب وانتصار ، عماد وتوأمه خالد والصغير فؤاد ، رباب وأم رباب ، سمير هذا الرجل الذى تعشقه الكتب والمراجع ويعشقه أساتذة الطب والذى يسقط في براثن الكهربائي أبي عماد فيدخل نفقه المظلم الذي لم يكتشف قبحه إلا بعد أن رأى دموع أمه وهى تبكي مراراً على انزلاق قدمه في هاوية المخدرات والمسكرات ، فغاب عن وعيه وعن دراسته كثيراً فكاد يصبح مستقبله الطبي قاب قوسين أو أدنى لولا تدخل صديقه خالد في الوقت المناسب فأعاده إلى الطريق القويم ومن المفارقات في الرواية والتى تتضح للمتلقي أن خالد هو ابن أبو عماد الذي سقط سمير فى براثنه .
وكما يقول هيجل : إن الفكرة ليست شيئاً ومظهرها شئ آخر ، وإنما هما شئ واحد ، لأن الفكرة ليست إلا انعكاس في الذات ، ومظهرها ليس إلا الانعكاس في الآخر ، وهما متحدان في هوية واحدة ، ومن ثم فالفكرة ومظهرها متحدان في هوية واحدة ، فالوجود الداخلى والخارجي لأبطال الرواية جميعاً عبر بوضوح وتجلي عن المضامين التي سعى البدوى أن يطلقها عالية مدوية من خلال مئذنته وأهمها الحفاظ على القيم والأخلاق وموروثات الدين والوطن والتى رمز لها بالمذنة .
كما نوه البدوى لقيمة الجذور والأصول والمتمثلة في شخصية الجدة القادرة على أن تطرد الشيطان من عيون حفيداتها ، وأن تملأ صدورهن بالأكسجين الصحي بوجهها الملائكي وقصصها التي تجاور النجوم وتجتازها ، والتي كانت مقولاتها داخل الرواية بمثابة أوتاد تثبت أفئدة أم مريم وبناتها على طريق الحق والقيم والأخلاق فمن منا لم يتأمل جملتها وهى تحتضن الحفيدتين ( الحب لا يرهق القلب ، النقود لا ترهق الحصالة ، الذى يرهق الحصالة هو الهواء الذي يتعفن داخلها وهي فارغة ، علينا أن نملأ قلوبنا بالحب لكل الجيران ولكل الأقارب ولكل من يعلمنا في المدرسة وخارج المدرسة ) ص 69
ومقولتها التي غزلتها بحكمة السنين ( إن الصباح ضيف علينا أن نكرمه ، مهما كان ظلام الليل وقسوة كوابيسه ) ص 78
ولم تكتف مئذنة البدوي بسرد الأحداث خلال فصولها الأربعة والتي حملت عناوين سنوات لها رمزيتها الواضحة داخل الرواية ، فقد بدأت أحداث الفصل الأول والذي حمل تاريخ 1973 والذى يمثل حرب الكرامة فالبدوي لم يضع هذا التاريخ عابراً أو عبثاً ، بل ينطوي على دلالة رمزية وتاريخية شديدة الأهمية ، خصوصاً في السياق العربي عموماً والمصري خصوصاً ، فالدلالة الوطنية والانبعاث الرمزي لهذا التاريخ تكمن في كونه يشير إلى حرب أكتوبر والتي تعد في الوجدان العربي والمصري لحظة استرداد للكرامة بعد هزيمة 1967 ، إذا اختيار هذا التاريخ ليكون بداية الفصول وبداية الأحداث فهو إعلاناً رمزياً عن بداية التمرد أو المقاومة ولحظة تحول في الوعي الجمعي أو الفردي للشخصيات داخل الرواية ، ورمزاً للنهوض من الانكسار أو بداية التحرر من هيمنة ما ، وداخل الرواية كان يشير التاريخ إلى لحظة محورية ومفصلية هامة فى حياة أهل القرية بإعادة بناء المسجد والمئذنة ،( فأول أيام شهر رمضان 1973وبعد صلاة العصر يفتتح المسجد الجديد الذي يعتبر واحداً من أروع المساجد في كل قرى المحافظة ) ص 20 ، إذن هي رمزية الانتصار بعد الانكسار ، ما سبق هذا التاريخ كان عهد الهزيمة أو الغفلة أو الخضوع ، بينما ما بعده هو عهد الانبعاث والوعي والتحرر من رماد الهزيمة . فالعتبات الأولى للرواية تسائل فكرة النصر والهزيمة ذاتها : هل كان النصر حقيقياً أم رمزياً ؟ وهل انتهت المعركة فعلاً ؟ .
1973 هذا التاريخ محفور في الذاكرة الجمعية ، لذا فإن استخدامه في بداية الرواية هو بمثابة استدعاء للذاكرة أو حتى مواجهة للمنسي والمسكوت عنه ، ومحاولة ذكية جداً من البدوي لجعل القارئ يقرأ العمل بخلفية وطنية ونفسية وسياسية أوسع .
فعناوين الفصول ليست مجرد أرقام ، بل عتبات تأويلية تقول للقارئ : هنا تبدأ مئذنة البدوى من جرح قديم .. من حرب لم تنته بعد ، أو من انتصار لم يكتمل أو من ذاكرة تصر على أن تحكي قصتها .
ثم يبدع البدوى في اسدال ستار النهاية لرواية هي رمز البداية لفكر جيل من الشباب يؤمن بقدراته ويخطط بوعي لأهدافه من أمثال زينب ومريم وتحقيق أحلام أمينة والتي تحقق حلمها بمكان مخصص للنساء يصلين فيه ويتعلمن أمور الدين ، فمثلما كان بناء المئذنة أول أحداث الرواية كان اندلاع الحريق الذي أودى بحياة عماد وأم رباب ورباب فتركهم مجرد جثث هامدة ، وترك أبو عماد بعجزه التام عن الحركة آخر أحداث الرواية برمزيته العالية ، لتكون آخر كلمة فى الرواية على لسان مريم ( المئذنة ) ص 172 ، ليبدأ المتلقي مغامرته وينهيها بالمئذنة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى