رسالة إلى ( الأغنية الأخيرة ) من الإعلامي صلاح فتوح


رسالة إلى ( الأغنية الأخيرة ) من الإعلامي صلاح فتوح

تتداخل المواقف وتتقاطع المشاهد وتتعانق اللحظات، وتمر السنون وتشتعل الذكريات، وينسحق البشر في دوامات الحياة، فيصرخ الماضي ليعبر عن حزنه من التجاهل والنسيان..
ويمر أمام الأعين شريط الذكريات، صور ومشاهد ومواقف ولحظات عشق وفترات شجون وجنون.. أو ذكرى لعزيز غال كانت لنا معه صولات وجولات.. وكان ملء السمع والبصر، فإذا بآفة النسيان التي تحولت إلى داء أصاب الجميع وقسوة المشاعر وأحيانًا يد الغدر تطوي صحيفته ويمحى من الوجود أثره وكأنه ما كان..
أو مكان كان ينبض بالحياة، ويعج بالبشر، ويضج بالحركة، توالت عليه السنون والحقب، ونقشت على جدرانه كلمات وآهات المحبين، ينبعث النور من كل أرجاء المكان، ويولد الإبداع من تعانق الروح والوجدان، تحس وأنت به كأنما الحياة هنا فقط، وعندما تهدأ الأنفاس قليلاً وتتباطأ الخطوات وتجف بعض المشاعر وتكف الحركة فيه عن الدوران يصير هو أيضًا في طي النسيان..
وكما كنا نتلهف للقاء المحبوب ودياره، تتلهف لرؤيتنا نحن عتبة الدار وسكانه، فتلتقي اللهفتان في أغنية عشنا تفاصيلها وكتبت كلماتها من تنهداتنا ونظراتنا، وتم تلحينها من سلم موسيقى أحاسيسنا ومشاعرنا، وشدا بها من عاش لحظات صدقها.. نعيدها من آن لآن لعلها تروي ظمأ الحنين والتوقان..
وأنت أخي وزميلي في محراب عملك ورحاب علمك وبستان أدبك وشعرك وصحبة رفقاء دربك وتوأم روحك، كنت تصول وتجول وتنتج وتبدع ناسيًا أي هموم، فقست عليك الأيام وتزاحمت عليك المشاكل والهموم وتبدلت لحظات الفرحة إلى صراعات وغيوم، فتحول كل ما كان إلى صدام وفراق قد يطول..
وإذ أنا بهذا الحال تمر أمامي كل هذه الذكريات، أسمع نحيب عاشق يحاور حبه القديم وأطلال موطن عشقه وصباه وتاريخه الذي لا ولن ينساه، ويغني أغنيته الأخيرة أمام تلك الأطلال يناجيها ويحاور في خياله من كانوا فيها.. فأخذتني الرأفة والشفقة بحاله وتركته يعبر عن حاله وحالي..
وقلت ليتني كنت معك في الكورال لكي أشاركك همومك وأحزانك .. وعزائي أنه الإحساس العام الذي يجمع الكل رغم اختلاف مشاربهم الفنية.. يستطيع أن يُكَوِّن كورالاً ضخماً تصل ترديداته وصرخاته إلى الأسماع والأصقاع.. فلست وحدك الذي ينعي انزواء أو موات الماضي العريق أو قتله عمداً وتلك كارثة أو القضاء عليه دون وعي وتلك سقطة كبرى أو إهماله أو التعدي عليه أو حتى تحريمه وتلك قضية كبرى وكلها مواقف وأعذار أقبح من الذنب نفسه..
لماذا تأتي المشاعر والأحاسيس متأخرة في سلم الاهتمامات اليوم.. وكيف طغت المادية على الفن بفروعه لهذا الحد.. للدرجة التي ألبستنا حضارتها ثياباً سميكة تفوق سماكة الجلد الميت بحجة الوقاية من تقلبات الحياة.. فاكتشفنا مثلاً أنها لا تقينا من البرد فحسب، بل أفقدتنا الشعور بالآخر وبما يجري حولنا.. فأصبحنا لا نحس ولا نشعر ولا نهتم بالماضي وتكويناته المختلفة.. ووضعت على أعيننا نظارات سوداء لإخفاء بعض العيوب أو تقينا أشعة الشمس.. فصرنا كمن فقد البصر تماماً فأراد أن يخفي عينه عن الناس كي لا يحاسبوه على سقطاته وتعثراته وأخطائه.
ويجيء افتتاح المتحف المصري الكبير ليشعرنا بأن الأمل ما زال ينبض بداخلنا.. فلعله يستمر في صحوته تلك ويجد طريقه إلى قلوب وأفهام بعض المسؤولين ويقول لهم إن الماضي كل متكامل فن وعلم وأدب وتراث وتاريخ يمثل مصدر فخر واعتزاز لنا.. يحتاج إلى إعادة نظر في كيفية التعامل معه.. ننقيه من شوائبه أو مما شابه من تحريف وإهمال.. ونحفظه بما يليق به في سجلات ودواوين وعقول تحفظ له قدره.. ونتعلم كيف نستخرج منه ما يحويه من كنوز.
فلا يأس ولا استسلام، ولن تكون أغنيتك الأخيرة التي آلمتني كلماتها، ولكنها أحيت بداخلي مشاعر وأحاسيس كادت أن تتجمد.. ونرجو أن يشاركنا فيها كل ذي حس وصاحب كل فن ليس بالسماع والنشوة فقط، بل بترديد كلماتها ونشر معانيها لعلها تسمع الصم الدعاء ولو وَلَّوْا مدبرين.



