جزاء… قصة قصيرة بقلم زكرياء نورالدين – الجزائر

كان حلما جميلا قلما راودني حلم مثله، في غمرة الفرحة أسرعت نحو المرآة لأرى كيف عدت لسابق عهدي، كنت اغثى الشعر مكتمل الأسنان بابتسامة عريضة تظهر المخفي من شخصيتي المرحة، وضعت الكثير من مثبت الشعر، لم أكن افرش اسناني عادة غير أنني اغطس اسناني بمحلول، لا تزال تفوح مني رائحة عطر “ماسكيلان” اشمها و كأنني الساعة بها، التحفت معطفي و سروال الجينز متمسكا بضرورة فصل الألوان عن بعضها، كنت شابا من محيط الأوراس حيث سقط النقيب فرونسوا “l’abat l’abat le capitaine est tombée” حيث لا يزال ابي يرفع ناظريه يراقب طائرات حلف الشمال، و انا الآن ابن زماني أجثو بكل حب في ساحة البريد المركزي لأشتم عبق الورد و رائحة أزهار الليمون و البرتقال، تحمل العاصمة روح الداي و رايس البحار، ليس ببعيد عن مسجد كتشاوة كما عهدت و بعد صحن فاصولياء الشهيرة، ارتشف قهوة بسيجارة أتطلع إلى الوجوه المتناثرة أقسامها ببعضها، ليس بالأمر الصعب أن تعرف بعض المناطق في محيا القادمين منها، ساعتها و أنا أتصفح جريدة الوطن بالملحق، حتى هزني صوت خافت يطلب مالا، رفعت رأسي في ثقل، اعرف ان المتسولين كثر في هاته المنطقة غير أن الفتى الذي طلب العون متأنق على غير العادة.
_ لست أتسول، غير أنني ارغب في اقتطاع تذكرة نحو بلدتي..!
بادرني بالحجة قبل الفضول، فتى في العاشرة من العمر، وحيدا مسافرا من مكان لا يعرفه إلا هو يطلب حق تذكرة.
_ و أين تسكن بالضبط بني؟.
لم يرد، كان يتحاشى معرفتي أين يسكن فرفضت أن امده بالعون ما لم يفصح لي بمكان قدومه، لم يطل الأمر حتى تخطفته يد امرأة في حالة غضب.
_ رويدك، لا يزال عظمه طريا. قلت لها.
_ و ما شأنك، أنه ابني و لا دخل لك في ما اقومه به..
و انصرفت، دون أن اصرف ناظري حتى بلغت موقف حافلات ساحة الشهداء منتظرة الركوب، ترجلت من على كبريائي ركبت سيارتي متثاقلا في سرعتها، ما إن بلغت حتى أردفت:
_ بإمكاني توصيل إن شئت طبعا؟!
اوففف، لست إنا من يقوم بهكذا تصرفات، إلا أن جمالها هو من ألزمنا حق الكلام لا الصمت.
ألا تستحي من نفسك؟! البعض سيوسعك ضربا لو لم تنصرف الآن! لست أعبأ! مخاطبا اياها، أنا من رغب في نقلك من صخب الحافلة الى أينما تشائين، و انا على قدر المسؤولية!.
لم أتلعثم في كلامي و لم أخف ممن سيكون بين ظهرانيها، كنت لا أزال أركن سيارتي منتظرا منها أن تطرق الباب بكعبها العالي و سمرة اقدامها حتى صاحت لابنها تطلب منه أن يركب صوب البيت.
أ يمكن أن تتخلى الأم عن فطيمها، و تركب مع شخص غريب ليس لها أي علاقة به! اتساءل. لم يطل الأمر كثيرا حتى التحفتني رائحة لم أعهدها في ما مر علي، إلا أنها لاذعة أكثر من اللزوم. عطر فواح، هل من مكان تقصدين، أم أتصرف على سجيتي؟!
_ شارع طرابلس، سنتوقف هناك.
لا أثق في النساء عادة، لكن الصدق أقول أنها قد وقعت بنفسي أي موقعة.
_ هو ليس ابنك؟ صح؟!
_ و هل لك أن تعرف؟!
_ كلا مجرد فضول لا غير!
و ما الدافع من سعيك بين الناس جيئة و إيابا تتسولين القروش و أنت على هذا القدر من الجمال؟ سكتت و كأنه الصبح بعدئذ تنفس، في شارع طرابلس( Tripoli) كما نعرفه تغوص النفس بين رائحة الغاز المميع المنبعث من محطة la glacière ورائحة التبغ المنتشرة في الأرجاء، للعاصمة عبق لا ينفلت منه أحد دون أن يرتوي منه فوح الماضي و الحاضر. في بنسيون الجوزاء كانت محطة توقفنا لا يبعد الشيراتون كثيرا عن موقعنا هذا. ايعقل أن تكون هنا لحظة الوصال؟
انزلني هنا من فضلك، سأعود بعد لحظات. هل لي برقم هاتفك لئلا تعودين؟!
_ سأعود، لا تجزع.
ترجلت هي، و لم أطل الإنتظار حتى انطلقت مستدركا ما ضاع من وقتي، لكن على غير العادة وقع حضورها بنفسي موقعة الصياد بطريدته لا هو اصابها ولا هي ابتعدت، كانت تلك حالتي كل يوم بين ساحة الشهداء والبريد المركزي حتى نهاية شارع طرابلس أرقب و أدنو دون أن أجد لها ظلا، الى أن جاء اليوم الذي لمحت فيه الغلام الذي كان يرافقها يومئذ، لكن الرفقة هاته المرة مع امرأة اخرى، سألته من على نفس الطاولة حاملا نفس الجريدة بنفس عبق القهوة السوداء المرة:
_ أين ذهبت المرأة التي كانت لك مرافقا؟
_ من؟ سلاف…؟!
لا اعرف اسمها، لكنه يبدو كذلك! أغدق، و سوف تعرف.
كنت كالأطرش في زفته و هو يهرول بورقة الخمس مائة دينار تعلوه قهقهة قائلا:
أحمق، أحمق…!. ماكان لي الا أن تظللت بالجريدة، واتجهت صوب مرآتي حاملا في طيات قلبي غربه الشباب الذي صاغ نفسه بظروف الحال، و انا الشيخ الهرم الذي اتبع نزواته الميتة اكلينيكيا مخاطبا إياها: ليس بعد اليوم يا مرآتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى