غزة… حتى القطط تحكي الوجع ….كتابات نثرية بقلم بوعون العيد


غزة… حتى القطط تحكي الوجع ….كتابات نثرية بقلم بوعون العيد

في باحة الألم، للحياة وجهٌ آخر، وطعمٌ بمذاق العلقم. بين الركام بقايا حياة تنبض من تحت الأنقاض، وفي زوايا المكان المقفر يمتزج السواد بالسواد، فالكلّ مشدوهٌ، حائرٌ، لا يدري وجهةً ولا منقلبًا.
لقد تحوّلت المدينة إلى يباب، وأضحت البيوتات أطلالًا عتيقة، لا يشي بالحياة فيها سوى آثارٍ شاهدةٍ في هذه المرابع الموجوعة. في ردهاتها تقف الأحزانُ معبّرةً عن الفقد والتشريد، وعن التجويع الذي ألمَّ بـ”غزة” حتى باتت تبيت على الطوى، يستجدي أهلها من تربطهم بهم وشائجُ الأخوة والعروبة والإسلام…
تمرّ الأيامُ، وتتوالى الشهور، وتنقضي الساعات، والموت مائدةُ الغزّاويين، والدمارُ سمرُهم، وفقدُ الأحبّة أنيسُهم. لا بكاءُ الثكالى، ولا تفؤّدُ الأمهات، ولا تفجّعُ الآباء بفقد فلذات الأكباد، ولا صراخُ البراءة في طوابير المساعدات من أجل رغيفٍ، أو قليلٍ من طعامٍ يُطبخ على نار الأسى والألم.
وبعد سبعمائة يوم، تلوح في أفق أصحاب القرار بارقةُ “وقف إطلاق النار”! لتستعيد العزّةُ بعضَ أنفاسها، ويرمّم الأهلُ ما تبقّى من الجراح التي تضجّ دمًا.
هناك، تجلس قطةٌ وحيدةٌ تطلّ من الركام، بنظرةٍ ملؤها الآهاتُ والحسراتُ والتنهدات. بدت عليها ملامحُ الجوع، وهي تنظر مقطّبةً ناقمةً على وضعٍ كانت بالأمس القريب فيه سليلةَ العيش الرغيد، سيدةَ مائدة الغداء والعشاء، مدلّلةً من الصغير قبل الكبير، تتقلّب في أحضانهم وتنال من لطفهم ما تنال…
أما اليوم، فقد صار شعرُها يضارع وجهَ المدينة، حبلى بدخان القذائف والرجمات.
تحكي القطةُ حكايةَ شعبٍ أنهكته الحروب، وأثقل كاهله الفقد، لكنّها لم ولن تُثنِ عزيمته عن المضيّ قُدمًا نحو البقاء في أرضٍ شهدت حبوَهم على ترابها. من كسرةِ أرضٍ مغموسةٍ بزيت الزيتون تشبّعوا عزةً وكرامةً وإباءً، ومن حليبِ الأمهات الفحلاوات رضعوا لبن المقاومة سائغا، وفي أحضانٍ تنجب رجالًا ونساءً يقدّمون أبناءهم للشهادة بكل فخرٍ واعتزاز.
أضحى المكانُ قفرًا جُرزًا، تفرّق أهله وتشرذموا في دروب الأرض بين مدّ القصف وجزرِ الرجاء.
تُرمق القطةُ المكانَ بعينٍ كسيرةٍ، تقترب بها من البعيد، كأنها تقول:
” بقدر الآلام تتحقّق الآمال.
فرغم قساوة الحال وبرودة المكان، إلا أن في عودة أهل الدار دفئًا وراحةً وطمأنينةً، وسعةَ أملٍ ورغدَ عيش.
أيها المتغطرسون، أيها النائمون في خدور العرائس…
أفيقوا من غفوتكم وغفلتكم ونسيانكم وتناسيكم، فمَن حالفتموهم لم تُجدهم طائراتُهم ولا صواريخُهم، ولا تجويعُهم.
ففي رماد الحياة، وفي تربة العزّة، تنمو الأرواح كما تنبت الزهرات، وتظلّ غزة حاضرةَ الكبرياء مهما طال الليل.


