موال النهار … مقال بقلم محمد كمال سالم


موال النهار … مقال بقلم محمد كمال سالم

هي غير محظوظة، الأجيال التي لم تعاصر تلك الفترة الزمنية القصيرة ما بين حرب 1967م وحرب 1973م.
خاصة وأنه رغم مرور أكثر من نصف قرن على أحداثها، لم تستطع كل مؤسسات الدولة إنتاج أعمال فنية توثيقية تشرح للأجيال المتتابعة هذه الحالة الفريدة التي عاشها وطننا الغالي مصر.
ست سنوات لا تكاد تُذكر من عمر الزمن في تاريخ الأوطان، غير أن هذه السنوات التي نحن بصدد الحديث عنها تحمل تاريخ ومصير أمة عريقة، بها من الأحداث والقصص ما ينوء التاريخ بحمله.
وغالبا ما تتحلل المجتمعات وتتفسخ القيم في فترات الانكسار والهزائم:
إحباط عام
كفر بالغد والمستقبل
عدم الثقة في القادة والساسة
تسفيه كل قيمة
انتشار الفساد والكسب غير المشروع
تراجع دور الثقافة وتهميش دور الفن البناء
كان هذا هو الحال عقب هزيمة مصر سنة 1967م أمام الكيان المغتصب (النكسة)، التي هُزمت فيها كل الجيوش العربية، واقتطع العدو النجس قطعا لا بأس بها من العرض والأرض العربية.
رأينا الشعراء ينظمون قصائد يندى لها الجبين خجلا، ورأينا شركات الإنتاج العريقة للغناء والموسيقى تنتج القمامة من الفن والفنانين، وسمعنا “السح الدح امبو إدي الواد لابوه” و”الطشت قاللي يا حلوة قومي استحمي”.
أما السينما، بعراقتها وإمكاناتها الضخمة، وهي ثاني سينما نشأت في العالم كله بعد السينما الإنجليزية، فقد انشغلت بقصص الكباريهات والراقصات والساقطات، وحققت أرباحا خيالية من تسفيه الشباب وإفساد المجتمع. ولا أريد هنا أن أذكر أسماء، فهم مدونون في مزبلة التاريخ.
وفي خضم هذه العتمة والفوضى الأخلاقية والقيمية، كان هناك دائما أثرياء حرب ينتفعون من انكسار الوطن، ثم يصبحون سادة المرحلة التالية.
لكن وسط هذا الظلام أشرق أناس ما زالوا يتمسكون باليقين، يراقبون ولا يسكتون، يقاومون، يؤمنون بالغد، ويعملون على إقامته من تحت الركام والأوحال. يدونون:
عدى النهار والمغربية جاية
تتخفى ورا ضهر الشجر
وعشان نتوه في السكة
شالت من ليالينا القمر
أبدا بلدنا للنهار بتحب موال النهار
يسمعها الجندي المنكسر عند حدود الانسحاب المذل، ينفض عن سترته تراب الهزيمة، يطبب جرحه النازف وينتصب، يرفع هامته صوب شرق القناة، يصوب بندقيته على غريمه الصهيوني المرابط أمامه فيصرعه، يتسلل تحت جنح الليل، يعبر قناة السويس عائما، يزحف على بطنه، يفخخ معسكراتهم، يكدر ليلهم، ويذكرهم أنه موجود وسيظل، لن يتركهم ينعمون براحة أو سلام.
وفي قصص حروب الاستنزاف التي سطرها المصريون، أساطير تُروى إلى يوم الدين.
وتصل رسائل الفدائيين إلى الجبهة الداخلية، يسمع الناس عن البطولات الفردية كالسيد زكريا ومحمد العباسي، والبطولات الجماعية مثل تدمير المدمرة إيلات وتفجير ميناء إيلات الحصين.
يتفاعل الناس ويصدقون الأمل القادم من الجبهة، يتمسكون بالحلم، يحفزون الأبطال كلما مروا عليهم في مدنهم، يتعاونون على إعادة بناء الجيش (المجهود الحربي)، واستعادة الثقة والوحدة على قلب رجل واحد (الدفاع المدني).
تصدق النية وتتحد الإرادة ويعلو صوت اليقين والإيمان: “إن تنصروا الله ينصركم”.
ويأتي وعد الله الحق، فنَعبر القناة في 6 أكتوبر ونصنع ملحمة بدر جديدة.
يلتحم الجيش والشعب في سيمفونية شعبية فريدة؛ النساء في المستشفيات، الرجال يقدمون الغالي والنفيس للجيش والوطن، الشباب يتطوعون في الدفاع المدني في الجبهة الداخلية، حتى اللصوص توقفوا عن السرقة واندمجوا في نسيج الشعب. (لم تسجل الشرطة في أيام الحرب الست أية مخالفة أو جنحة واحدة أو بلاغ عن سرقة).
كانت روح أكتوبر النادرة الملحمية. وكان عنوان الصباح في الجرنال:
عبرنا الهزيمة… أول جريدة اشتريتها من مصروفي الخاص وعمري وقتها اثنتا عشرة سنة، ومازلت أحتفظ بها.
وكانت أغنية تصدح عبر الأثير المصري بعد موال النهار:
عبرنا الهزيمة يا مصر يا عظيمة.


