الهاتف الذي نزل وحيًا وانتهى في جيب بنطلون …تأملية فلسفية بقلم سمير إبراهيم زيّان


الهاتف الذي نزل وحيًا وانتهى في جيب بنطلون …تأملية فلسفية بقلم سمير إبراهيم زيّان

افتتاحية :
لم تكن الكلمة يومًا بريئة من المصير الذي تتورّط فيه .
فـ”الهاتف” الذي كان يومًا نداءً من السماء ، يهتف في قلب نبيّ أو يؤنس وليًّا في عزلته ،
تحوّل تدريجيًا إلى قطعة مستطيلة تهتزّ كل ثلاث دقائق لتذكّرك أن أحدهم أرسل لك ملصقًا ضاحكًا….
أو أن بطاريتك على وشك أن تنفد، مثل روحك تمامًا.
في هذا الحوار ، يتقابل “هاتف” نزل بالمعنى ، و”هاتف” صعد بالضجيج ،
ليناقشا المصير المشترك لكلمةٍ واحدةٍ…. و”وظيفتين” لا تمتّان لبعضهما بصِلة .
الحوار :
(في زاوية من زوايا اللغة العربية ، على طاولة نَسيها النحاة…. جلس “الهاتف” الآلة ، يلمّع شاشته ، وجلس بجواره “الهاتف” الوحي ، يلمّع المعنى )
الهاتف (الآلة) – بنغمة مغرورة:
أنا “الهاتف”…. الكلمة الأشهر في العصر الحديث ! أحمل العالم في جيبي الصغير ، وأتكلم باسم كل البشرية !
الهاتف (الوحي) – بابتسامة ساخرة :
أنت؟ تتكلم؟ أم تُستخدم؟
أنا “الهاتف” قبل أن تُولد الكهرباء ، كنتُ أُسمع ولا أُرى . كنتُ نداءً يأتي من الغيب…. فيوقظ النائم ، ويهزّ الروح .
الآلة – يرمش ضوء إشعاراته بغرور :
يا عزيزي…. تلك كانت أيام الجاهلية . أنا الآن أقود الحياة : رسائل ، صور ، حروب ، حب ، فضائح ، وظائف ، طلاق ، تسوّق !
أنا الكلمة وقد تحوّلت إلى سلطة .
الوحي – مغمضًا عينيه بتأمل :
وهل تعلم أنّك فقدت المعنى حين حملت كل الأصوات؟
كنتُ “هاتفًا” لأنني أجيء بنداء داخلي ، لا يُخطئه القلب . أما أنت…. فلا تفرق بين صرخة حبّ وتنبيه بنك .
الآلة – بضجر :
أيها المتحذلق ، هل تُقارن نفسك بجهاز به كاميرتان ومعالج ذكاء اصطناعي؟
أنا أُصدر نغمات ، فيديوهات ، أخبارًا عاجلة ، وأحلامًا مؤجلة.
الوحي – ضاحكًا :
وأنا كنت أُصدر رؤى ، وتكليفات ، ورسائل من السماء….
كنتُ نغمةً في صدر نبيّ ، لا إشعارًا في جيب مراهق .
الآلة – يضحك بصوت تنبيهات :
انتهى زمن الغيب يا صاح ! نحن في زمن “اللمس”…. أُسكت كل هاتف بداخلك ، وتكلّم مع هاتفك الخارجي .
الوحي – ساخرًا :
بئس التبديل….
كنتَ كلمة تهزّ الأرواح ، فأصبحتَ تطبيقًا يُغري بالإعلانات .
الآلة – يتثاءب :
المهم أنني شائع…. والناس تُمسكني طول اليوم .
الوحي – هامسًا في صدر الليل :
أما أنا…. فلا يُمسكني إلا مَن اشتاق .
أُؤنس الخلوات ، وأرافق العارفين ، وأدلّ التائهين على المعنى ، لا على “الموقع” .
الآلة – بانطفاء الشاشة قليلاً :
يبدو أنني صرت صاخبًا بلا صوت….
كل هؤلاء المتصلين ، ولا أحد يستمع .
الوحي – واقفًا وهو يتلاشى :
وأنا صوت لا يُسمع إلا حين يصمت كل شيء….
(يسود الصمت…. ويختفي الهاتفان ، تاركين الكلمة معلّقة بين “النداء المقدّس”…. و”المكالمة الفائتة”)
15/07/2025


