النيل والأحباش و مصر ….مقال بقلم: سيد جعيتم – جمهورية مصر العربية


النيل والأحباش و مصر ….مقال بقلم: سيد جعيتم – جمهورية مصر العربية

تتحدث الأساطير الحبشية القديمة عن ملك من نسل الأمهرة سيحوّل مياه النهر بعيدًا عن مصر.
محاولات إثيوبيا للتأثير على مجرى نهر النيل ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التوتر بين الدولة المصرية وبين الأحباش بمختلف انتماءاتهم العرقية والقبلية (الأورومو، الأمهرة، التيغراي، الصوماليون، السيداما، الجوراج، الولّاية، العفر،) جميعهم حلموا بتعطيش مصر، ولم تتوقف محاولاتهم لتغيير مجرى النهر، سعيًا لتعديل ميزان القوى في حوض النيل، ولعب دور أكبر في إدارة مياهه.
شهد التاريخ محاولات من أباطرة وحكام إثيوبيا لتحويل مجرى النيل ليصب في البحر الأحمر، دون المرور بأرض مصر، وتم الاتفاق مع المنفذين وإليكم بعض هذه المحاولات الفاشلة:
- في عام 1513، تم اتفاق بين ملك الحبشة والقائد البرتغالي ألبوكيرك.
- في عام 1705، اتفق ياسو ملك الحبشة مع ملك فرنسا لويس الرابع عشر على تحويل مجرى النيل الأزرق.
- في عام 1856، حاول الإمبراطور الإثيوبي تيودور الاتفاق مع فرنسا أو إيطاليا لتحويل مجرى النهر، لكن التضاريس الصعبة حالت دون التنفيذ، كما تدخل الإنجليز وأخرجوا إيطاليا من إثيوبيا عام 1941.
- تكرر التهديد في عهد الخديوي إسماعيل في أواخر القرن التاسع عشر، مما دفعه لمحاولة السيطرة على منابع النيل.
سعى الأحباش إلى إضفاء صبغة دينية على صراعهم مع مصر، مدّعين أن مصر تضطهد المسيحيين. وكان أكثر ما يزعجهم أن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية كانت تابعة روحياً للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية منذ القرن الرابع الميلادي، حين أرسل البابا أثناسيوس الأول، بطريرك الإسكندرية، القديس فرومنتيوس إلى إثيوبيا للتبشير بالمسيحية. وزادت الكراهية بعد أن أصبحت مصر ولاية إسلامية، وأصبح بابا الأسكندرية الذي يصادق على تعيين البطريرك الإثيوبي، تحت راية حاكم مسلم، واستمرت هذه التبعية حتى عام 1959.
نعود إلى التاريخ، حين أعلن الإمبراطور الإثيوبي “يِليبيلا” خلال الفترة من 1190 إلى 1225 حربًا صليبية على المسلمين في مصر، وهدد بتحويل مجرى النهر حتى لا تصل المياه إلى مصر.
وفي عام 726هـ/1325م، أرسل النجاشي رسالة إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون يعبر فيها عن غضبه لما حدث من تخريب لكنائس الأقباط، وهدد باضطهاد المسلمين في الحبشة وسد مجرى النيل. وتكرر التهديد في عهد السلطان الظاهر برقوق عام 783هـ/1381م، ثم في عهد السلطان جقمق عام 847هـ/1443م.
وفي عام 1953، أعلن الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي عن بناء سد “تيس أباي”، لكن مصر مارست ضغوطًا أدت إلى تقليص ارتفاعه من 112 مترًا إلى 11 مترًا فقط.
أما اليوم، فقد اكتمل بناء سد النهضة الذي أعلنت عنه إثيوبيا عام 2011. وأكدت مصر أنها لا تمانع التنمية في دول حوض النيل، بشرط الحفاظ على حقوقها المائية، وأن تُستشار كما ينص القانون الدولي، كونها دولة مصب. كما طالبت بأن يُؤخذ رأيها في الدراسات الهيدرولوجية، خاصة أن موقع بناء السد يعاني من عيوب قد تؤدي إلى انهياره وغرق السودان وأجزاء من مصر. كما طالبت مصر بأن يتم ملء السد على مدار عشر سنوات لتجنب التأثير على حصتها المائية، لكن إثيوبيا رفضت ذلك.
كثير من الخبراء شككوا في صمود السد، بل ذهب بعضهم إلى أنه بُني ليَنهار ويغرق دول المصب. وردًا على ذلك، أعادت مصر إحياء مشروع توشكى والمفيضات حول السدود في الظهير الصحراوي.
ويرى البعض أن حكام إثيوبيا، بعنادهم في إتمام بناء السد، أصبحوا في مأزق أمام شعبهم، فحتى الآن لم تعمل التوربينات ولم يتم توليد الكهرباء لبيعها. وهم ينتظرون أن تخالف مصر القانون الدولي وتضرب السد، ليُلقوا اللوم عليها ويكسبوا تعاطف العالم.
وفي رأيي، مصر ملتزمة بالمفاوضات طالما لم تُمنع عنها حصتها المائية الثابتة، والتي تُقدّر بـ55.5 مليار متر مكعب. ولن تتهاون أبدًا في أمنها المائي، علمًا بأن احتياجها الحقيقي يتجاوز 85 مليار متر مكعب.
منع الحصة المقررة من مياه نهر النيل، كما حددتها الاتفاقيات الدولية، يمنح مصر الحجة القانونية لاتخاذ أي إجراء تراه مناسبًا.
