المحطّة …. قصة قصيرة بقلم محمد كمال سالم


المحطّة …. قصة قصيرة بقلم محمد كمال سالم

في أمسٍ كان شابًّا طبيبًا وسيمًا، يعلوه البهاء، وترجوه الحِسان في مدينته.
لكنّه انتهى إلى محطة قطار المدينة، يُقارع الخمر ويُقارعه الألم.
اشتهر بين أهل مدينته بالطبيب الذي ضيَّعه الخمر وصُحبة السوء، حتى هجرته زوجته ومعها طفلتها، بعد أن كانا حديثَ المدينة وزينتَها.
كان يصطحب زجاجته ويمشي إلى المحطة منكسرًا، يُلقي بنفسه فوق دكّتها من أول الليل حتى آخره، يقارع الخمر ويتفرّس العائدين مع كل قطار يأتي، يترقّب مسافرًا لا يعود.
ويومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام،
هرِمت المحطة وهرِم معها، وتخصم الخمر من شبابه كل يوم، حتى توحّد مع رصيفها.
يطوي زجاجته بين طيّات معطفه البالي، يختلس منها رشفات الندم.
وذات ليلةٍ، لمح امرأةً تحمل طفلتها تغادر القطار.
عرفها… هي، هي زوجته!
ينهض مسرعًا، يعدو نحوها، يدنو منها، يحاول أن يُمسكها.
تفزع منه وتبتعد، فيناديها باسمها:
— فلانة!
ترتجف، تسأله: من أنت؟ ماذا تريد؟
يقول لها: أنتِ فلانة زوجتي، وهذه ابنتي. (يشير إلى الرضيعة التي تحملها).
تحاول أن تفرّ منه، تستغيث بالمارة، يحاولون تخليصها منه.
يصرخ فيهم: دعوني، هذه زوجتي، وهذه طفلتي منها! لقد هجرتني وسرقت ابنتي!
فينهره أحد المتجمّعين:
— يا راجل اختشِ! مش شايف إنها قد عيالك؟! وباين عليها بنت ناس… مش زيك!
يفيق الطبيب الضائع على كلمات الغريب، ينظر إلى حذائه وملابسه، يتحسّس براحتيه وجهه المكدود وشعر رأسه المُهمَل.
يتلفّت بين المجتمعين حوله، ثم إلى المرأة الشابة التي تراقبه من بعيد في خوف.
يشير إليها ويقول:
لكنها… لكنها تشبهها تمامًا! هي، هي زوجتي التي هجرتني منذ سنوات!
منذ سنوات وأنا آتي إلى المحطة، أفترش تلك الأريكة القديمة وأنتظرها، وها هي جاءت!
هي والله زوجتي! اسألوها بالله عليكم، أليست فلانة؟!
يتعجّب الناس من يقين الرجل، ينظرون إلى الشابة يطلبون منها إجابة.
يبهت وجهها، تتردد، تتلعثم وهي تقول:
— ولكن… هذا اسم أمي!
فيردد الواقفون في عجب:
— اسم أمك؟! اسم أمك؟!
يتصلّب وجه الطبيب المسكين، ينظر إليها فاغرًا فاه، تتسع حدقتاه كأنه يرى السنوات التي مضت.
تسقط زجاجة الخمر من بين طيّات ملابسه وتنكسر، يسيل خمرها فوق نعليه الباليين، يفيق من سكرته، يحدّق في المرأة الشابة لا يصدّق عينيه ولا أذنيه.
يتبادل الحاضرون النظرات في دهشة.
لم يفطن للقصة سوى المرأة… وشبح الطبيب.
تعود المرأة يائسة لتستقل القطار من جديد، لتعود من حيث أتت.
تُلقي بورقةٍ كانت مطويّة في يدها.
يسرع الطبيب، يلتقطها من الأرض، يفتحها.
تركب المرأة القطار.
يقرؤها، يتحرّك القطار، مكتوبٌ بها:
اسمه وعنوان بيته!
ينفضّ المارة من حوله، يحدّق حتى يغيب القطار عن ناظريه.
يقلب ورقة العنوان بين أصابعه وينظر فيها.
يفيض الدمع من عينيه الذي أبى طوال السنوات المنصرمة أن يسكبه.
يحاول أن يعود إلى بيته الذي تاه عنه…
وما تزال ورقة عنوانه في راحته.
يسكن المحطة، يقارع الخمر… ويقارعه الألم.


