الشعراء الجدد ورجل الشارع (1) …. مقال بقلم د. آمنة الهجرسي


الشعراء الجدد ورجل الشارع (1) …. مقال بقلم د. آمنة الهجرسي

مدخل :
يتفق الكثير من الدارسين والباحثين المختصين على وجود رسالة يحملها الشعر في طياته عبر العصور منذ بزوغ شمسه على لسان الشاعر الجاهلي وهو يمتاح الفيافي والقفار ليسجل أغاني الحل ورقصات الترحال وطقوس البكاء على الأطلال ويخلد أمجاد قبيلتهومآثرها عبر أبياته الشعرية . ولطالما كان الشاعر العربي في تلك الأوقات لسان قبيلته ووزير الإعلام فيها ينوب عن الفكر الجمعي العام لها ، وهكذا في كل عصر نجد الشعراء يعكسون لنا بما لا يدع مجالا للشك أحوال مجتمعاتهم وبيئاتهم ومعتقداتهم وحتى ما يطرأ عليهم من أحوال التغيير والتجديد بل وحتى ما يعانيه شعراء تلك الفترات من معاناة نفسية وشكوى الزمان وأهله يعد مما يمكن القول عنه أنه شهادات على التغير والتبدل الذي قد يطرأ على العلاقات الاجتماعية لإنسان تلك العصور.
الأصل في تركيبة الشاعر – إن جاز لي القول – أنه إنسان وهو جزأ لا يتجزأ من مجتمعه لكنه يحمل موهبة لا تتأتى إلا للقليل من البشرولأنه بشكل لا إرادي يشعر بالرغبة الدائمة في الإفصاح عما يعتريه شعوريا ويلح عليه وجدانيا نجده يُخرج ذلك في هيئة صور ولوحات فنية مرسومة بكلمات تم اختيارها بعناية في بوتقة التفاعلات الداخلية لمنطقة الإبداع – المخفية عنا وعنه هو نفسه – في مخيلته ،لكن هذا لا يكفي . هناك رغبة كامنة وشعور ملح بضرورة الإبلاغ والإعلان عن ولادة القصيدة التي هي إبداعه الخاص ، بصمته المجتمعية التي تمكن للـ ” أنا ” خاصته من الشعور بانتمائها للـ ” نحن ” المجتمعية بكل أطيافها عبر أداء رسالة هامة تقترب في قداستها من أعلى درجات الإلهام المسؤول.
هذا الشعور اللاإرادي بقداسة المهمة هو المحرك الفاعل الذي يدفع بالشعراء الموهوبين جدا والمتصلين جدا أيضا بمحيطهم البيئي والمجتمعي إلى عملية ” الفلترة ” والنقد الذاتي لنتاجه الأدبي والقيام بعملية فحص دائمة لمقدار الصدق الذي يحمله النص ليكون معبرا بالفعل عن أفكار ذلك العصر وأولئك الناس بل والأعراف التي اعتادوا على التعامل بها والأحكام التي درجوا على تنفيذها ومن ثمَّ ليس غريبا أو مستهجنا أن نجد شاعرا مثل أبي نواس يثور على أعراف شعرية لم تعد تعبر عن عادات عصره وأحوال الناس وتقاليدهم في المجتمع العربي الجديد:
عاج الشقيُّ على دار يُسائلها وعدت أسأل عن خمارة البلد
لا يرقئ الله عينيْ من بكى حجراً ولا شفى وجْد من يصبو إلى وتدِ
قالوا ذكرتَ ديار الحيّ من أسدٍ لا درّ درك قلْ لي من بنو أَسد
لم يكن أبو نواس كارها للشعر الجاهلي ولكنه كان يسعى إلى الموضوعية والواقعية ، كان يسعى إلى ما نسميه اليوم بالمواكبة مع ضرورة الحفاظ على الأصالة، فكيف لشخص لم يعش في الصحراء ولم يجز المفاوز بناقته الخارقة الهيفاء الفرعاء ..إلخ ولم يمر بديار خربة كانت عامرة ببعض الأحبة في يوم من الأيام فتستثار مشاعره فيرثيها ويبكي أيام الأحبة فيها ، كيف لمن لم يشهد ذلك كله أن يتحدث عنه في قصيدته ؟!! هل هو لسان حال الأقدمين أم الحاليين بالنسبة له ؟!! الإجابة على هذا السؤال هي التي تجعلنا نعرف ونكتشف من هوالشاعر بحق ومن هو المتسلل إلى جماعة الشعراء من الأبواب الخلفية ، عشاق ركوب الأمواج لمجرد أنها ارتفعت قليلا دون انتباه لوجهتها أو مصدرها.
وعلى غرارصنيع أبي نواس سار العديد من مشاهير الشعراء في تلك الأوقات لكنهم لم يقابلوا بالتصفيق والقبول ونثر الورود في الطرقات لهم فعشاق الجمود وأسرى الأفق الضيق في التفكير وقفوا لهم بالمرصاد وأشهرهم على مر عصور التاريخ الأدبي الآمدي والمرزوقي ومع ذلك استمروا ووصلت أشعارهم إلى أحفاد أحفاد أحفادهم ولم يعد أحد يذكر الآمدي إلا في معرض حديثه عن الخصومة الشهيرة في كتب الأدب القديمة .
استمرت صور أبي تمام المركبة العميقة وبلاغة المتنبي وحكمتهوأمثالهما في الانتشار والذيوع ولاتزال عبقرية أبي العلاء في لزومياته تتحدى الأفهام حتي يومنا هذا. بمرور الوقت وبسببالجمود الشكلي والخوف من الاتهام بالسرقة لتكرار اجترار المعاني أرغم العديد من الشعراء على الغرق في بحر المحسنات البديعية وألعابها السحرية وساعدهم على ذلك تغير أنواع الممدوحين من الأتراك والمماليك وغيرهم ممن لا يتقنون العربية ، وانخفاض الذائقة الشعرية من حيث الصور والتراكيب البديعة لكثرة اختلاط العرب في العصور المتأخرة بالأعاجم من أبناء الأمم الأخرى .
كانت اللغة الشعرية التي يستخدمها الشعراء في القرون الأولى للحضارة العربية لغة فصيحة تختلف في جزالتها وقوتها ورقتها بحسب البيئة التي ينتمي لها شاعر كل مجتمع والأمثلة التي حفظتها لنا كتب التأريخ الأدبي كثيرة والذي يجب أن نؤكد عليه هنا هو انعدام وجود ما أسميه الهوة اللغوية بين الشعراء وسائر أفراد المجتمع وعليه لم يكن الشعراء في تلك الفترات يشعرون بالغربة النفسية بمفهومها العصري اليوم وإنما ظهر ذلك الشعور ونما في العصور المتأخرة لأسباب ترتبط بحرفة الأدب نفسها والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها شعراء تلك الفتراتوليس اللغة فقد كان علماء اللغة والنحو والبلاغة يقفون بالمرصاد لكل متطاول عليها وقد وضعوا من التصانيف ما يفرق بين ما هو فصيح وما هو دخيل وما هو مستعرب.
استمراية الشعر العربي :
من أصدق الجمل التي تغنينا عن الكثير من التفصيلات والشروحات مقولة ” الشعر ديوان العرب” وهو كذلك وأكثر؛ فالشعر مرآة حقيقية عاكسة لأحوال كل عصر ومجتمع ، الشعر “تيرمومتر” حقيقي لقياس مستوى الثقافة في كل مجتمع وحتى في العصور التي يسميها بعض المستشرقين بـ ” عصور الانحطاط ” كان الشعر يحدثنا بصوره وأخيلته المصطنعة ومعانيه السطحية وزخارفه البديعية المتكلفة عما آل إليه إنسان تلك الأوقات ، كان الشعر وسيلة للتراسل والتواصل بين جميع الأفراد في المجتمع . هبط الشعر من برجه العاجي في بلاطات الخلفاء والأمراء ليلتحم برجل الشارع العادي فنراه يزين مداخل الحمامات العامة وأسرجة الأحصنة ومناديل الغلمان وقلائد الجواري وأصبحت الرسائل بين الإخوة والأحبة تكتب بالشعر فيما يسمى بـ “الطريقة الغرامية” لكنه لم ينس أبدا ماهيته وأصله .
الشعر الذي يحرك الجيوش ويوجه الأنظار إلى الأخطار المحدقة كان لا يزال في الساحة يعمل عمله بتفان كلما دعا الداعي لذلك والأهم من ذلك أنه كان يقابل بالاهتمام والانتباه من الجميعوالاسراع باتخاذ التدابير اللازمة. بالشعر تم الحث على استرجاع بيت المقدس وبالشعرتم حشد الحشود وتعبئة الجنود لصد العدوان القادم من لصوص الغرب حملة إثر حملة ، وبالشعرتجمع الكل تحت راية واحدة الهدف منها ردع المعتدين وبالشعر تم تخليد أشهر المعارك وحفظ أسماء آلات الحرب وطرق القتال ومآثر الرجال وهكذا دواليك ..
مر الشعر بفترة ركود شديدة كالجمر تحت الرماد لانعدام وجود فرسانه الحقيقين الذين يحملون رايته حتى شاء القدر وأذنت السماء بعودته في ثوبه القديم بزخارف عصرية يسميها الدارسون للأدب بـ ” الكلاسيكية الجديدة ” في العصر الحديث وبدأ رواد مدرسة ” البعث والإحياء” بتذكير الشارع الأدبي ومرتاديه بأمجاد أجداده الأدبية والتاريخية .
عمل رواد هذه المدرسة العريقة على بعث اهتمام المثقف العربي بالشعر مرة أخرى واستلهمت صورها وأخيلتها من معين الحضارة العربية الذي لا ينتهي وقد تزامن ذلك مع النهضة الكبيرة لعملية تحقيق نصوص التراث العربي الإسلامي بصفة عامة والأدبي منها بصفة خاصة ، وبدأ سيد الأجناس حقبة جديدة من الازدهار والنماء وعودة الدراسات الأدبية والنقدية في صورة عصرية منفتحة على علوم الآخر اللغوية والأدبية ومتصلة تمام الاتصال بالتراث الأدبي العربي العريق ولكنها واعية في الوقت نفسه و بشكل كبير لما يمكن أن نسميه بحس المسؤولية الأدبية بصفة عامة والشعرية بصفة خاصة وضرورة أن يحمل الأدب في طياته رسالة ما لقارئه ، ومن ثم شهدت الساحة الأدبية العديد من المعارك الأدبية التي ساعد على انتشار فحواها للقارىء العربي ظهور الصحف والمجلات الأدبية المهتمة بنشر كل ما هو جديد في عالم الأدب .هذه الصحف والمجلات نفسها هي من مهد الطريق لثورة شعراء من طراز خاص يكتبون الشعر العمودي في الأساس ويتقنون التعامل وفق موسيقاه ولكنهم يطمحون لما هو أكثر من ذلك . ظهر” الشعر الحر ” كما أطلق عليه في بداياته كحاجة ملحة في مخيلة معتنقيه في ذلك الوقت ، عبروا عنها بالشرح والتفصيل في مقدمات دواوينهم التفعيلية تارة ومن خلال مؤلفات خاصة تارة أخرى . إنها الحرية . الحرية في التعبير دون قيد صارم مع احترام التناسق الموسيقي . الحرية في الوصول إلى رجل الشارع الذي كان يعاني من ضبابية الرؤية وتقطع الأنفاس وتخبط الخطوات وتقديم كل ما سبق من معاناته بنفس الطريقة من خلال وعاء يحاكي خطواته المتعثرة ونسمع من خلاله ضجيج أناته المتأثرة ، وعاء غير متكلف بقدر ما هو نسيج متين لنقل الواقع بدون ” ميك أب “، نسيج يسمح للسرد الدرامي بالمرورمن خلاله شرط احترام الموسيقى التي تعلو وتخفت بحسب الموقف الذي تعالجه القصيدة …وهكذا
نجح العديد من شعراء التفعيلة الجدد في الوصول إلى رجل الشارع وأنابهم عنه في كثير من المواقف ليتحدثوا نيابة عنه فما هو السر وراء قبولهم ؟ كيف استطاع الشاعر الجديد استقطابهم ودغدغة مشاعرهم وأفهامهم ؟!!
