الجماليات السردية وقدسية الذات المبدعةوخصوصية أسلوبية التعبير السردي لدى “عازف الجيتار العجوز ” بقلم د / نجوى محمد سلام( الفراشة الحالمة )

في عالم الأدب عامة ، وفي فضاء السرد القصصي خاصة تعتبر الكلمات نوافذاً تفتح أمامنا آفاقاً جديدة ، إنها نوافذ نطل من خلالها على تجارب الآخرين الإبداعية ، وتسمح لنا بالتعبير بحرية عن مشاعرنا الإنسانية المشتركة .
معكم نبحر ونستكشف هذه النوافذ الرحبة التي تطل على الجماليات السردية وقدسية الذات المبدعة وخصوصية أسلوبية التعبير السردي لذا عازف الجيتار العجوز ونرى ماذا يمكن أن يتكشف لنا ؟

القاص المبدع محمد محمود غدية والذى شكل بإبداعه ملامح عازف الجيتار العجوز ، عزف ببراعة أنشودة قدسية الذات المبدعة فحول بأنامله الكلمات لتكون جسراً يربط بين القلوب ، فعندما نغوص في يم مجموعاته القصصية يدخلنا عوالمه الرومانسية فيتقاسم فيها القراء معه المشاعر ويرتشفون كوثر الأحاسيس ، إنها نافذته التي تجمع بحرفية طبقات المجتمع وتجعلنا نشعر بأننا لسنا وحدنا نعشق ونذوب ، كلماته تنساب دافئة حرة تختال على السطور برشاقتها المعتادة فتمنحنا صك القدرة على التعبير عن مشاعرنا بعمق ، فعندما يكون الكاتب قادراً على وصف الحب أو الحزن أو الأمل بمفردات مؤثرة ، يصبح لدى المتلقى نافذة ينظر من خلالها إلى أعماق الإنسانية برومانسية حالمة ، في حضرة أبجديته طقوس خاصة تجعلنا نشعر بأننا متصلون بالعالم بشكل أكبر في براح عوالمه الأدبية بجمهوريته اللغوية المتفردة لا يمكن أن تكون الكلمات مفاجأة بل هى فيضان من الرومانسية ، أبجديته الثرية بالمشاعر والعواطف تؤكد أن فعل الكتابة لديه اصرار وترصد وأن اللقاء بأبطاله لحظة تغيير النظرة وتحويل القارئ من متاهات الواقعية المفرطة إلى آفاق الرومانسية المرهفة .

هو بلا منازع ” نزار القصة القصيرة في وسط الدلتا ” فجميع أعماله السردية عاملها المشترك الأعظم الرومانسية والفلسفة والعمق ، تعكس تجارب الإنسان ومشاعره بشكل استثنائي مميز ، لينقش بأزميل إبداعه مقولته الشهيرة بأن لغته الحلوة تنزلق على جروح أرواحنا فتشفيها وتلحم تصدعاتها ، وأن بنات أفكاره دائماً دافئة دافقة تدفع للمتلقي بمئات الأسئلة التي تقتات روحه فتربك التقويم في بوصلة مشاعره ، وأن أبجديته أقدس من حديقة ورد ، خجولة جداً مرة ، ودرويشة جداً مازالت في الهوى تحبو ، ومتمردة وعنيفة صادمة مرات ومرات .

صدرت مجموعته القصصية ” عازف الجيتار العجوز ” عن دار ميتا بوك للطباعة والنشر ، والتي أعلن ولادة طبعتها الأولى فى 2022 م وتضمنت (57) قصة بدأت بـــــ ( اعتذار لزوجتي ) وانتهت بـــــــ ( طاولة لرجل لا يأتي ) ليكون إجمالي صفحات المجموعة القصصية ( 124 ) صفحة .

المتأمل للإهداء سيجده موجه إلى كيان غير مرئي مباشر ، لكنه يتخذ شكل المخاطب الغائب ، ما يمنحه بعداً فلسفياً وتأملياً ، وينقل الإهداء من شخصانيته الأولى إلى رمزية عليا تتجلى في الجملة الختامية ” شكراً للكلمة ” ، وقد اعتمد الإهداء على سلسلة من الأفعال التى تخلق حركة صاعدة ، تبدأ من اللسان وتنتهي بالحكمة ( بسطت السان – فخمت الألفاظ – رققت الروح – فجرت صمتي – زودتني بأطواق النجاة ) هذا التدرج يصنع رحلة داخلية من التعبير إلى الخلاص ، ومن الصمت إلى الحكمة ، وهى رحلة وجودية تختصرها الكلمة .
فالاهداء لا يخص شخصاً بقدر ما يخص فعل الكلمة وتأثيرها الخلاق في الذات الإنسانية ، ويجعل من الكلمة كائناً حياً أو معلماً روحياً له سلطة الشفاء والتعليم والتبديل ، فالكلمة ليست فقط أداة تواصل ، بل وسيلة للنجاة ، ورافعة روحية وجواز عبور نحو الذات والآخرين ، فالاهداء ليس مجرد رسالة شكر ، بل تأمل في ماهية الكلمة التي أنجبت عازف الجيتار العجوز ، فكما يعزف العجوز على جيتاره كى لا يموت ، يكتب المبدع نصه كى لا يختنق ، فالكتابة هى طقس تطهير من السقوط ، وهى أيضاً وسيلة لرد الاعتبار لما هو هش وجوهرى في الإنسان .

الأسلوب السردى عند غدية في مجموعته القصصية ” عازف الجيتار العجوز ” هى أقرب إلى العزف التأملى منه إلى البناء الحركى للأحداث ، الجمل قصيرة أحياناً ، متقطعة ، لكنها مشحونة بذبذبات داخلية ، كأنها نغمات لا تفهم بالعقل بل تستشعر ، والراوى لا يكتفي بأن يكون عاكساً للأحداث ، بل يضمر معرفة أعمق مما تقوله الشخصيات ، هناك دوماً همس ما خلف الجمل ، حضور غامض لحكمة ما ، لعين ترى دون ان تظهر كل ما تعرف .

ورغم الطابع التأملي للنصوص ، فإن غدية لا ينفصل عن قضايا الإنسان في زمنه ، فالشيخوخة لدى عازف الجيتار العجوز ليست مجرد تقدم فى العمر ، بل استعارة لفقدان البوصلة في عالم متسارع ، والخراب اليومي ( في العلاقات – في الفقد – في العزلة ) هو السياق الذي تزرع فيه لحظة الجمال المؤلم ، والذات في نصوصه تحاط بجدران من الغربة ، لكنها تظل تبحث عن ضوء ، عن موسيقى ، عن قارئ يصدق هذا العزف .

إن أسلوب محمد غدية السردى والذى صاغ به عازف الجيتار العجوز منح قصصه بعداً شعرياً يجعلها قابلة للتأمل أكثر من التلقي ، وجعل من الذات المبدعة بطلاً خفياً لكل نص وهى تقاوم الصمت بالمجاز والموسيقى ، إنه لا يسرد للتسلية بل ليمنح أبطاله فرصة للحياة للتعبير عن ذواتهم ودهشتهم وصمتهم وصمودهم .

في مجموعة عازف الجيتار العجوز يمارس المبدع كتابة تتأرجح بين البوح والتكتم ، وبين الكشف والاحتجاب ، جمالياته السردية لا تتزين ، بل تتامل ، والذات الكاتبة فيها تبحث عن خلاصها عبر الكلمات ، أما أسلوبه فمشبع بخصوصية تتولد من هدوء البركان الكامن في الجملة ، ومن توق دائم لاختراق القشرة نحو الجوهر .

يمتلك غدية بصمة سردية واضحة تميزه عن غيره يمكن تلخيصها فيما يلي :
اللغة الشعرية في سرد نثري :
تتغلغل البلاغة الشعرية في بعض عناوين النصوص القصصية وفي جسدها دون أن تفقدها صرامة السرد ، حيث يكثر غدية من الصور المجازية والتراكيب الكثيفة التى تشبه ومضات الشعر ، لكنها تظل محتفظة بوظائفها السردية .
(رجل فى منتصف الحزن – رماد الحلم – صفعة الأقدار – مدن دمرها العشق – مفتاح الحياة – كهوف الصمت – الصباح الفضي – حفنة من الهموم – حين تنعس الأقمار – شريان الحياة ) .
أمثلة على بلاغته الشعرية في جسد نصوصه السردية :
( لغته الحلوة تنزلق على جروح روحها ، فتشفيها وتلحم تصدعاتها ) قصة اعتذار لزوجتى ص 5
( دافئة دافقة تدفع إليه بمئات الحشرات الصغيرة تفترس روحه اللينة ، إرتبك التقويم في بوصلة أيامه ، شدت قاربه لشواطئ عينيها ) قصة الزلزال ص 9-10
( تسحقها عجلات الوحدة والندم ، وحيدة في مملكة الحزن ) قصة المتمردة ص 14
(نجحت المتدربة في تحريك قاربه نحو شواطئها لتكون له المرسى والأمان ، والمطر الذي يروي أرضه المتشققة العطشى للحب ) قصة امرأة الأساطير ص 18
( استسلمت لعراك الأفكار وتداعياتها التى تأخذ بعضها برقاب البعض ) قصة انتظار ما لا يجئ ص 20
( يجيد كلمات الغزل والعزف على أوتار الغياب ، يتقن دغدغة المشاعر وبث الهوى المفتقد للانقضاض على فريسته ) قصة بورتريه ص 21-22
( قرأت جوعه لها فشجعته ) قصة الغواية ص 84

ثقافة الكاتب الواسعة :
والتي ظهرت جلية في بعض نصوصه مثل قصة شظايا بللور مكسور والتي جاء فيها على لسان الراوى ( قال فيها ما قاله العقاد لحبيبته الأديبة مى زيادة ) ص36
( كولن ولسن كاتب بريطاني ، لا يكتفي بالقشرة الخارجية ، يغوص داخل النفس البشرية ) قصة فى معرض الكتاب ص 46
اقتصاد اللغة وتكثيف المعنى
لا يسترسل غدية في الحكى التقليدي ، بل يعتمد على جمل قصيرة مشحونة بالدلالة ، كل عبارة تحمل عبئاً شعورياً أو رمزياً ، حتى ليبدو كأن السرد يتحرك في جمر لا دخان فيه ويظهر ذلك جلياً في وصف التاء المربوطة التى أرقت نبض الأبجدية داخل المجموعة القصصية .
( لن تدخل كهف صمته ، ولن تطرق أبوابه ولن تنفخ في الرماد ، حتى لا تشتعل الحرائق ) قصة كهوف الصمت ص 91
( مع آخر رشفة من فنجان قهوته تستكين كآبته ، صدره حقيبة مغلقة يمضغ أحزانه في ترفع وشموخ ) قصة حقبة عمر ص 92
( نجحت في وقف زحف الجفاف الذي كان متأهباً لالتهام روحه ) ( تنتظرهما آفاق الخصوبة ) قصة الصباح الفضي ص 94
( حبك يسرج خيول عرباته عبر سهوب السماء ) قصة يرقص كالطير ص 96
( لا تريد قيود تعوقها عن الطيران ) ( لملمت من حدائقه الأزهار ومن سمائه النهار وغابت ) قصة شمس لا تغيب ص 99 ( تحتفي به حقول الكآبة ، يجدل أحزانه عبر شواطئ تناثرت فيها الشموس شواظ من لهب ) ص 100
( هي في السحاب وهو على الأرض دون أجنحة ، لا يقوى على الطيران ) قصة حب في السحاب ص 108

المراجع :

القمري ،بشير : شعرية النص الروائي ، البيادر للنشر والتوزيع ، الرباط ط ١، ١٩٩١ .

يقطين ،سعيد : انفتاح النص الروائي ،المركز الثقافي العربي ، ط١، ١٩٨٩.

الوكيل ، سعيد ، تحليل النص السردي معارج ابن عربي نموذجاً ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ١٩٩٨.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى