القراءة التحليلية لرواية “لو أن مسافراً في ليلة شتاء ” ….بقلم سهام جبريل

الكاتب: إيتالو كالفينو 

التصنيف: الأدب العالمي- مابعد الحداثة- الواقعية الحديثة 

الفئة: روايات مترجمة 

اللغة: العربية 

المترجم: حسام ابراهيم

عدد الصفحات: 348

روائي وكاتب وصحفي وناقد، ولد في كوبا يوم 15 أكتوبر1985، ونشأ في سان ريمون في إيطاليا.اهتم في الستينيات بالمدارس النقدية والفلسفية الجديدة في فرنسا خصوصاً (وبرولان وبارت وجاك ودريدا) مما أثّر على طبيعة أعماله الروائية ومنحهاعمقاً فلسفياً. اشتهر برواياته أسلافنا، ومدن لا مرئية، ولو أن مسافراً في ليلة شتاء. وقد استغرب من عدم حصوله على جائزة نوبل. كانت وفاته في الثمانينيات عن عمر ناهز 61 سنة بسبب سرطان رئوي.

صحفي مصري,  وكاتب, ومدقق لغوي.  تخرج من كلية التربية في جامعة المنصورةقسم اللغة العربيةعام 2001، وهو عضو في اتحاد الكتاب.

ينطلق الروائيون بكسرة الحق المخباة في قاع كل كذبة، ويسعى كالفينو نحو الكمال كمقصد وهدف من ازدواجية الشكل بين الحلم والواقع لكنه الكمال الذي يبقى ناقصاً ومعبراً عن هذا العالم الناقص.

هيئة فارس لا وجود له، إذاً فهو كاتب مهموم بالانقسام وهدفه محاربة كل الانقسامات والبحث عن الإنسان الكامل قبل أن يكشف حتمية النقص واستحالة الكمال في هذا الواقع  وفي العالم أيضاً.

فكرة بنت فكرة وحكاية تنجب حكاية, فمرحباًبمسافر زاده الإبداع على أجنحة الفن.

اتخذ الوضعية المريحة لك لأنه عند شروعك في القراءة تتفادى أن تبقى الصفحة معتمة فتتكاثرالحروف السوداء على خلفية رمادية متماثلة كقطيع من الجرذان لكن خذ حذرك من ألا يغمرها النور بقوة ولا ينعكس على بياض الورق الساطع فيقضي على ظلال الحروف.

عبقرية الكاتب الفذّة تجعلك قارئاً تبحث عن كتابك المفضل الذي صدر حديثاً ًلتلتقي في طريقك البطل فتحصل عملية تبادل الأدوار. تلتقي أيضاً بفتاة تفتش عن ربما نصفها الآخر لتكون الرواية عقدة وصلة حاكها بفلسفة وجودية ليخلق عالماً فكرياًعلى مقاس أفكاره الخلاقة، وأنت ذاهب لشراء كتاب كالفينو تشق طريقك وسط أكوام متراكمة من الكتبالمغرية بعناوينها، تقاوم تلك العناوين التي تجذبك وتثير فضولك بصورة مباغتة دون مبرر لتصل إلى رواية  (لو أن مسافراً في ليلة شتاء). إنها لمتعة كتاب صدر لتوه وتبدأ المناورة في تصفح الكتاب. أيّة بداية مخمرة بفكر معتق، تنطلق عجلات الأفكار، تبدأ المناورة في تصفح الكتاب.

البداية في محطة أرتال قاطرة تنفخ بخار مكابسها فتخلق سحابة دخان تحجب جزء من الفقرة الأولى، روائح المحطة صفحات الكتاب المعتمة مثل نوافذ قطار قديم، وعلى الجمل تحط سحابة الدخان وفي الفقرة الثانية لاعبون جالسون إلى طاولات، كلمحطات الأرتال متشابهة مثل أضواء المحطة والجمل التي بصدد قراءتها تبرز من غلاف العتمة والضباب يصبح البطل حلقة وصل قائلا أنا من يجيء بين المقهى وكشك التلفون, أنا في فخ في ذلك الفخ المفرغ من الزمن ولا زالت تتحرك الجمل فياللامحدود, في العتمة, فالوصول إلى المحطة القيّمة, يعني الماضي استعادة أزمنة وأمكنة ضاعت منك، وميض يشعرك بأنك حي, الحقيبة ذات العجلات تعبر عن رفض داخلي. يراكم المؤلف افتراضات فوق افتراضات في فقرات طويلة دون حوارات لتلاحظني في المقهى ومقصورة الهاتف والمحطة فهذا جزء من نفسي (أنا) أنا المجهول, شخصية الرواية مجرد أن يضع أنا شيئاً من نفسه وما يشعر به سلوكي سلوك مسافر أضاع قطار المواصلة والجميع يمر به في تجربتهم الحياتية. كلما شعرت مع المؤلف بظل خطر بجزء الأنا وظفتهما لشخصية لا تعرف القصة, مثل الحقيقة التي يريد التخلص منها، ما أعنيه أود العودة إلى الوراء لمحي أحداث معينة لكل لحظة تحمل تراكم، فمع كل أفعالي موجهة نحو طمس أفعال سابقة ويمكن أنيزيد التعقيد شذرات من الرواية وظفتها الحياة اليومية في مدينة ريفية.

بعد التخبط الذي يصدم القارئ يعود إلى المكتبة ليعرف سبب الخلل في الرواية ليقول له البائع إنها هفوة اختلطت مع الرواية (خارج بلاد مالبورك) لتاتسوبازكبال، تتشابك أفكار القارئة المتطربة لتدخل  مجاله لمغناطيسي (لا مهرب من جاذبيته) قالت له هكذا مرت العبارات مثقلة العجلات على سكة خطوط الكتاب مستفزّة, إن طريقته في السرد ضبابية، يتابع القارئ إذن هناك تقارب بالآراء, وهذا جيد ربما يخلق أمل للقائنا حيث نتبادل انطباعاتنا بعد القراءة. أي شيء أكثر طبيعية من أن تتأسس علاقة بين قارئ وقارئة بواسطة كتاب تضامن, وتشارط, وترابط, هل أصبح الكتاب قناة تواصل فضائية خارج بلدة مالبورك؟ هل يحدد النص الذي يصف كل شىء بدقة الأشياء والأحاسيس بإيمائها؟

كل الأطعمة على النار.

شوبيلينتسيا تميز مذاقها بشكل دقيق نوع من الحموضة، سيمفونية الروائح والكلمات والمذاقات بحاجة إلى الحموضة. تذكر زورينا أو زكارت، وإذا بقبضة تلطم وجهه فارتميت من صدى الصفعة , تتالى  بوابل من اللكمات فتدحرجنا على الأرض.أتظن أن أنا هو حيث كنت أصارع من أجل بريجد وزويدا؟ ربما كنت أنتزع  من ماضي ذلك الأنا المجهول أضيفه لماضي أو مستقبل كنت في تشابك أوصال ذكورية مضادة ومطابقة في دفاعي عن زويدا أحاول أن أضرب ذاتي بل ذاتي الأخرى, كنت أنوي مقابلة زويدا دون معرفة ماذا أقول( ذات الراوي). هذه الرواية المنسوجة بنسيج كثيف من الأحاسيس تتصدع  كما أن وهم التمثيل الممتلئ حيوية يكشف الفراغ الموجود تحته تغيرات الشخصيات لعله كتاب أخر.

الرواية (البولندية) خارج بلد مالبورك ليست بولندية ولا السيميرية تنتمي للعرق البوثنو واللغة والثقافة السيميرية لم يكتب لها التطور. يتصل بالقارئة لودمبلا لم  يجدها, تدور في أفكاره خواطر عن الصفحات البيض في الكتاب عن ردة فعل لودمبلا بمحادثاتها له وفجأة يتحول صوتها مفعما بالدفء عرفت رغم الدماثة التي تتمتع بها, تحب أن تمسك بزمام الأمور. تتقاذفك الصفحات  البيض عجزت عن الخروج منه،  لودمبلا تبحث دائماً عن أماكن تختبئ فيها مالذي يربط القارئ بلا قارئ …………….. نفسها المسافة التي تجمعهما.

أريد رأيك في الرواية؟ 

الرواية أشباح الخيال وأشباح الحياة، وعندما تكلم عن السيميرية اضمحلوا وكأن الأرض ابتلعتهم.

هذا أدب ميتة. للغة ……

مالذي تبحثون عنه في الكتب المحررة بلغة الموتى؟

لنذهب إلى لغة البوثنو إلى (أوزي توري)،

إنها رواية مطلٍّ على حافة الجرف.

الرواية الوحيدة التي تركها الشعراء السيميريين (مطلاً على حافة الجرف) يفكر في نهاية العالم واصفاً الأرض وتكونها من الصفائح المرتعشة قليلا في داخلها ودوران الأرض كالساعة.

يقول في نجواه رسائل صعبة أن أبلغها لللآخرين أو ترجمتها بكلمات. يتابع: ​هذه إشارات تخصني وتخص العالم ذاته.

البعد الوجودي في الرواية وحركة الشخصيات، ومايهمني هو ما يحدث …. ليس ما يحدث خارجا بل مايحدث في داخلي في أعماقي يصف قساوة الإنسان من خلال يد تمتد من نافذة في سجن (وبدت لي اليد ناعمة) يقصد عالقة تحت الأنقاض بسبب الكوارث.

بالنسبة لي كانت إشارة آتية من الحجر، حرص الكاتب على ترك الباب مفتوحاً أمام القارئ الذي يقرأ لكي يتماثل مع القارئ المقروء لهذا لم يعطيه اسماً ليكون شخصية ثالثة أو شخصية روائية, أما أنت لا بد من إعطاءك اسم لودمبلا واحتفظ به في تجريدية وضعية الضمائر, لكن عزيزتي القارئة هل يرسم لك الكتاب صورة حقيقية انطلاقاً من الإطار لتطويقك من كل الجوانب لتحديد ملامح صورتك؟ هنا يعود الكاتب إلى الجزء الثاني عندما ذهب إلى المكتبة وصادف لودمبلا في المكتبة واصفاً الموقف قائلا: تشكلتِ وأنت تبرزين من جدار مغطى بالرفوف, حضور قارئة وبيتك المكان الذي تقرئين فيه, فتغرقين فيه مثلما يغرق المرء في المخدر، أو جسور تمدينها نحو الخارج لعالم يهمك, تريدين مضاعفة أبعاده وتوسيعها عبر الكتب لنعرفك أكثر. نذهب إلى المطبخ، وهنا تبرز الشخصية، يتكلم ساردا مايحوي المطبخ من أواني ومونة وصور وكذلك كيفية الترتيب والتنسيق 

المكتبة كيف ترتب ….؟ حسب الزمن.

يعود مرمر القارئ بضمير (الأنت) من يتجرأ عليك بخسارة أنت وتتسبب بكارثة لا تقل عن خسارة (أنا) لكي يصبح خطابه بضمير أنت رواية يلزمك اثنين من أنت متميزين يبرزان من جموع الغائبين هو أو هي أو هم أو هن.

أيرينريو يصنع بالكتب مجسمات يلصقها على الجدران, بالنسبة لإيرنيريو أن تعاش الحياة لحظة بلحظة والفن هو تصريف للطاقة الحيوية التي تبحث عنها لودمبلا في الكتب. آخر إبداعات سيلاس كتاب في شبكة من الخطوط تقول حين يقنعنا مارانا بأن الفارق بين الحقيقة والزيف يكمن فقط في حكمنا المتحيز. تشعر بالحاجة إلى رؤية أحدهما يصنع الكتب.

بدأت الرواية بحدث قبل الكتابة، إنها حيوات الأفراد البشرية حبكة متواصلة، إن الثقة بالصوت الصامت الذي يسرد بين لودمبلا والكاتب سندس ظل التزييف, لتجد أن الكتاب يحمل عنوان في شبكة من الخطوط المترابطة بل عنوان آخر في شبكة من الخطوط المتقاطعة, يقول (هذه الصفحات التي أكتبها يجب أن تلقي نورا باردا)، رواق من المراياحيث تعكس عدد الصور، وقد تكون الحبكة أكثر كثافة ببعض استشهادات من نصوص قديمة. (مثال:كتاب في السحر الطبيعي), أقنع نفسي بأن المرأة تقرأ كتابي الحقيقي الذي ينبغي علي كتابته, ولكن لا أقدر، وأن هذا الكتاب كلمة بكلمة أراه في قاع منظاري ولكن لا أستطيع قراءة ماهو مكتوب فيه، لاأعرف ماكتب، الأنا الذي لم أقدر أنا, ولم أقدر أن أكونه …. لو أن بياض الصفحات وغليان الكلمات والقصص التي شكل . تتلاش دون أن يكتبها أحد لا يدخل الحاجز المزعج المسمى (الأنا) الذي هو شخصي, أنا الأسلوب والذوق والفلسفة الشخصية والموهبة. وأسرار المهنة تبدو كتاباتي قفصاً من إمكانياتي وأنا أفكر في الكتاب الذي أكتبه لاينبغي له أن يكون سوى المعادل للعالم غير المكتوب المترجم في الكتابة مادته غير موجودة.

قرأت في أحد الكتب أن موضوعية الفكر يمكن التعبير عنها باستخدام فعل ضمير الغائب المبني للمجهول, أنا أفكر يوجد فكر في الكون.

تواصل معاني مقروءة عبر دوائر ذهنية تبرهن ماهو مكتوب يشارك في سلطة الكتابة. أنا أقرأ إذا هو يكتب. الكاتب الروسي  على لسان راسكوف بطل الجريمة والعقاب، يقول كان يجب أن يكتب دون خوف من الفراغ الذي يفتح أمام القلم.

إن لدى اللغة البشرية القدرة ليس فقط إنها تتمتع بقوة تعبيرية أكثر من أشكال التمثيل الأخرى ولها إيضا قوة تراكمية جمالية, الانتقال بالأفكار وتعزيزها وتأكيد مصداقيتها (لمسألة التعبير الإبداعي والتعبير التقليدي المستهلك والتسلسل المنطقي في تتبع الأفكار والبرهنة عليها معتمدا في ترابط الأفكار وانسجامها وتلاحمها لا شك بأن الحكم على الحكم النقدي أو المسألة النقدية لترابط الأفكار وانسجامها وتلاحمها للوصول إلى منتهى الوعي في الحكم والدلالة على الوعي والفهم بالمسألة المطروحة وعلى الوعي الجمالي في صياغة الجمل من حيث الوضوح والعمق والفعالية والتأثير في عالم تتنازعه القوة والهيمنة أن تكتب قصة بنسقها من خفايا النفس البشرية فتعالج قضايا نفسية واجتماعية ووجودية تعصف بالنفس لتوضح رؤيا إيديولوجيّة للضبابية التي تكتنف البشر منذ الأزل فظهرت التأملية عند الكاتب من خلال الهروب إلى الطبيعة لدخول الوجود الإنساني والهروب من المصير المأساوي المتربص به.

إذاً العمل الأدبي ليس شيئا مكتملاً وثابتاً بل هو عملية بحث دائم عن الذات أشبه بالسعي وراء نور لا نهاية له. يرى أدونيس أن الهوية الثقافية هي حوار وارتباط بين الذات والآخر وليس مجرد شخص تتعامل معه بل هي عنصر أساسي في تشكل الهوية الذاتية. 

إن الترجمة شكل من أشكال الخلاق وفعل ثقافي لابد منه وطريقة مثالية لاكتشاف الذات من خلال فهم الآخرين.

9 أكتوبر 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى